Sun 05 Jul 2026 7:30 pm - Jerusalem Time

غزة بين مطرقة القصف وسندان الأوبئة: الجرذان والحشرات تنهش أجساد النازحين

تتصاعد معاناة النازحين الفلسطينيين في قطاع غزة مع تحول الخيام البلاستيكية إلى بيئة خصبة لانتشار الحشرات والقوارض، مما حول حياة آلاف الأسر إلى جحيم يومي. ففي منطقة المواصي غرب خان يونس، يواجه السكان معارك ليلية مع أسراب البعوض والذباب والجرذان التي تهاجم أجساد الأطفال وتمنعهم من النوم في ظل ارتفاع درجات الحرارة.

تصف شهادات ميدانية من داخل المخيمات واقعاً مأساوياً، حيث تضطر النساء للقيام بأعمال شاقة يدوياً من غسيل وطهي على مواقد النار في ظل انقطاع الكهرباء والمياه. وتؤكد المصادر أن لسعات الحشرات أصبحت تخلف بقعاً جلدية ملتهبة لدى الأطفال، وسط عجز الأهالي عن توفير أبسط أنواع المراهم العلاجية أو المبيدات الحشرية الممنوعة من الدخول.

يرتبط هذا التدهور البيئي بشكل مباشر بتراكم تلال من النفايات الصلبة التي أصبحت تلاصق خيام النازحين، بعدما تعذر وصول طواقم البلديات إلى المكبات الرئيسية. وتشير التقديرات إلى وجود نحو مليون طن من القمامة مجمعة في 23 مكباً مؤقتاً، مما حولها إلى بؤر لاستيطان الجرذان والصراصير التي بدأت تهاجم طعام السكان وأجسادهم.

أفادت مصادر بلدية بأن سلطات الاحتلال تمنع منذ بداية العدوان وصول الشاحنات إلى المكبات المركزية الواقعة في المناطق الشرقية، والتي تقع ضمن ما يعرف بـ 'الخط الأصفر'. هذا المنع أدى إلى تكدس النفايات في المناطق المأهولة، مما زاد من انبعاث الروائح الكريهة وانتشار الآفات الناقلة للأمراض في صفوف النازحين.

على صعيد البنية التحتية، أكد منذر سالم، مدير عام سلطة المياه أن نسبة الدمار في شبكات المياه والصرف الصحي وصلت إلى نحو 90%. هذا التدمير الممنهج أدى إلى فيضان مياه الصرف الصحي في الشوارع وبين الخيام، مما ضاعف من مخاطر التلوث البيئي وتفشي الأمراض المعوية والجلدية بين الفئات الهشة.

حذر اتحاد بلديات قطاع غزة من الانهيار الكامل لمنظومة الخدمات الأساسية نتيجة الاستهداف المتواصل ومنع إدخال مستلزمات الصيانة والوقود. وأوضح الاتحاد أن استمرار هذا الوضع يهدد بكارثة صحية لا يمكن السيطرة عليها، خاصة مع تعطل محطات ضخ المياه ومعالجتها التي تحتاج إلى قطع غيار عاجلة.

من جانبه، أشار يانس لاركيه، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 'أوتشا'، إلى أن تراكم النفايات الصلبة يمثل مشكلة رئيسية لم تجد طريقاً للحل. وأكد لاركيه أن المنظمات الدولية تمتلك القدرة على معالجة الأزمة، لكنها تفتقر إلى إمكانية الوصول والتسهيلات اللازمة لإزالة هذه المكبات العشوائية.

في الجانب الطبي، كشف أطباء يعملون في عيادات 'الأونروا' عن خشيتهم من ظهور أمراض فتاكة لم تعهدها المنطقة منذ عقود مثل الطاعون. وأوضح طبيب في مخيم النصيرات أن الظروف الحالية من تكدس للنفايات وانتشار للجرذان تهيئ البيئة المثالية لانتقال العدوى الخطيرة، في ظل شح شديد في الأدوية والمختبرات.

سجلت وزارة التنمية الاجتماعية في تقرير حديث أكثر من 70 ألف إصابة مرتبطة بالقوارض والآفات البيئية منذ مطلع العام الحالي. وأكد التقرير أن نقص الغذاء والمياه النظيفة، تزامناً مع ارتفاع درجات الحرارة، ينذر بكارثة إنسانية تهدد حياة مئات الآلاف من المواطنين، لا سيما الأطفال وكبار السن.

تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 80% من مواقع النزوح أبلغت بالفعل عن انتشار أمراض جلدية معدية مثل الجرب والقمل وبق الفراش. وتعزو المنظمة هذا الانتشار إلى الاكتظاظ الشديد وانعدام النظافة الشخصية نتيجة فقدان المياه، فضلاً عن القيود المفروضة على إدخال المعدات الطبية اللازمة.

يعاني النازحون في وسط مدينة غزة ومخيم النصيرات من أحجام غير معهودة للجرذان التي بدأت تهاجم السكان أثناء نومهم، مسببة إصابات جسدية مباشرة. وتقول مصادر محلية إن العيادات الطبية تستقبل يومياً حالات تعاني من عضات القوارض، وهو ما يتطلب لقاحات وأدوية خاصة غير متوفرة في أغلب الأحيان.

تستمر سلطات الاحتلال في تشديد الحصار عبر منع إدخال غاز الطهي والوقود، مما يدفع السكان لاستخدام البلاستيك والنفايات لإيقاد النار، وهو ما يضيف تلوثاً هوائياً للأزمة البيئية. هذا التداخل بين التلوث البصري، والسمعي، والجوي، والمائي، يخلق بيئة غير قابلة للحياة الآدمية في مراكز الإيواء المكتظة.

تؤكد الجهات المختصة أن الحل الوحيد لوقف هذا التدهور يكمن في السماح بإدخال المعدات الثقيلة والمبيدات الحشرية وفتح الطرق للمكبات الرئيسية. وبدون تدخل دولي عاجل للضغط على الاحتلال، فإن قطاع غزة يتجه نحو انفجار صحي قد تتجاوز آثاره حدود القطاع المحاصر، نتيجة تداخل العوامل البيئية المسرطنة.

يبقى الغزيون عالقين في دوامة من المعاناة التي لا تنتهي، حيث يلاحقهم الموت إما بصواريخ الطائرات أو بالأوبئة الصامتة التي تنهش أجسادهم. ومع كل يوم يمر دون حلول جذرية، تزداد تلال النفايات ارتفاعاً، وتزداد معها قائمة الأمراض التي تفتك بمجتمع استنزفته سنوات الحرب والحصار الطويلة.

Tags

Share your opinion

غزة بين مطرقة القصف وسندان الأوبئة: الجرذان والحشرات تنهش أجساد النازحين

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.