Sun 05 Jul 2026 11:30 am - Jerusalem Time

مكافحة الفساد في العراق: مواجهة حقيقية مع 'دولة النفوذ' أم تصفية حسابات سياسية؟

تتصاعد في الأوساط العراقية التساؤلات حول جدية التحركات الأخيرة لمكافحة الفساد، في ظل منظومة معقدة تتشابك فيها خيوط السلطة بالمال والنفوذ. وتطرح الإجراءات القضائية والأمنية المتسارعة تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان العراق يشهد بداية حقيقية لسيادة القانون، أم أنها مجرد جولة جديدة من صراع مراكز القوى داخل النظام السياسي.

ترافق الحملة الحالية إجراءات أمنية غير مسبوقة، حيث انتشرت قوات وآليات متخصصة لتنفيذ أوامر القبض وملاحقة المتهمين بتبديد المال العام. وبينما يرى مراقبون في هذا التحرك محاولة جادة لاستعادة هيبة الدولة، يخشى آخرون أن يكون مجرد استعراض للقوة يفتقر إلى الاستدامة المطلوبة لتحقيق إصلاح بنيوي شامل.

أكد خبراء في الشأن العراقي أن الفساد لم يعد مجرد مخالفات إدارية، بل تحول إلى شبكة مصالح محمية بغطاء سياسي، مما رسخ نظام المحاصصة القائم على الولاء. هذا الواقع أدى إلى إنتاج 'اقتصاد موازٍ' يديره أصحاب النفوذ، مما يعيق أي محاولة حقيقية للتنمية الاقتصادية أو جذب الاستثمارات الخارجية.

أفادت مصادر مطلعة بأن ما يميز المرحلة الحالية هو التكامل الملحوظ في الأدوار بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بالإضافة إلى هيئة النزاهة. هذا التنسيق ساهم في تسريع وتيرة التحقيقات ورفع الحصانات عن متورطين، وهو ما وصفه مختصون بأنه تطور لافت في أدوات الدولة الرقابية لم يعهده العراق منذ سنوات.

في سياق الرقابة المالية، يشهد العراق تشديداً متزايداً على التحويلات المصرفية ومكافحة عمليات غسل الأموال بالتعاون مع مؤسسات دولية. وقد أدت هذه الإجراءات إلى الحد من قدرة الفاسدين على تهريب العملة الصعبة إلى الخارج، مما تسبب في تكدس جزء من الأموال المشبوهة داخل البلاد تحت أعين الأجهزة الرقابية.

يبقى ملف 'سرقة الأمانات الضريبية' المعروفة إعلامياً بـ 'سرقة القرن' مفتوحاً على مصراعيه، حيث تقدر الأموال المنهوبة فيها بنحو 12 مليار دولار. ورغم مرور سنوات على تفجر القضية، إلا أن المبالغ المستردة لا تزال ضئيلة مقارنة بالحجم الكلي، وسط تعقيدات ناتجة عن تشابك شبكة المتورطين محلياً ودولياً.

أشار الخبير سعيد ياسين إلى أن التحدي الأكبر يكمن في 'الفساد المسلح' الذي يهدد الاستقرار الاقتصادي ويخيف المستثمرين الأجانب. واعتبر أن استعادة الأموال وحدها لا تكفي، بل يجب بناء منظومة وقائية تمنع تكرار الجرائم المالية من خلال إصلاح آليات التمويل السياسي وتعزيز الشفافية في العقود الحكومية.

من جانبه، أوضح أستاذ العلوم السياسية إياد العنبر أن النظام السياسي العراقي يقوم على تداخل السلطات، حيث تُطبخ القرارات غالباً ضمن صفقات بين القوى النافذة. وأضاف أن الموثوقية في إجراءات الدولة لا تزال تواجه شكوكاً بسبب وجود وسطاء سياسيين يعرقلون بيئة الاستثمار ويفرضون إتاوات غير رسمية.

يرى محللون أن بعض الأطراف السياسية لا تنظر إلى الاستيلاء على موارد الوزارات كفساد، بل كـ 'حصة' مشروعة ضمن نظام تقاسم الاقتصاد الريعي. هذا المفهوم المشوه أدى إلى تحويل المؤسسات الحكومية إلى بوابات اقتصادية مغلقة تخدم مصالح حزبية ضيقة على حساب المصلحة العامة للمواطنين.

رغم محاولات التشكيك، لا يزال الضغط الشعبي والدعم النخبوي يمثلان وقوداً لاستمرار الحملة ضد الفاسدين في مختلف قطاعات الدولة. ويرى مراقبون أن تراجع عنصر المفاجأة في الاعتقالات قد يدفع المتهمين لتغيير أساليبهم، إلا أن الإصرار القضائي يضعهم في زاوية ضيقة لأول مرة منذ عقود.

على الصعيد الدولي، تعكس التحركات العراقية لضبط منافذ تهريب الدولار استجابة لمتطلبات الرقابة الدولية، خاصة مع تغير طبيعة الحضور الأمريكي في البلاد. وباتت واشنطن تركز بشكل أكبر على الجوانب الاقتصادية والمالية، مما دفع الحكومة العراقية لتشديد إجراءاتها لضمان استمرار الدعم الدولي.

كشف الدكتور غالب الدعمي عن وجود تنسيق عالي المستوى لاسترداد نحو 954 متهماً هارباً، مع تقديم 262 طلب مساعدة قانونية دولية. وأكد أن هيئة النزاهة دخلت فعلياً في منظومة التعاون مع 'الإنتربول'، مما يضيق الخناق على المتورطين الذين لجأوا إلى دول الجوار أو أوروبا.

تتحدث التقارير عن وجود أكثر من 100 ألف عقار مرتبط بملفات فساد داخل العراق وخارجه، تجري ملاحقتها قانونياً لاستعادتها لصالح خزينة الدولة. وتعد هذه الخطوة، في حال نجاحها، أكبر عملية استرداد للأصول في تاريخ العراق الحديث، مما قد يساهم في سد العجز المالي ودعم المشاريع التنموية.

في الختام، يظل مسار مكافحة الفساد في العراق رهناً بالقدرة على تفكيك 'الدولة العميقة' ومعالجة تلازم المال والسلاح. إن نجاح هذه التجربة يتطلب إرادة سياسية صلبة لا تتوقف عند الخطوط الحمراء، وصولاً إلى بناء ثقة حقيقية بين المواطن ومؤسسات الدولة التي عانت طويلاً من الترهل والفساد.

Tags

Share your opinion

مكافحة الفساد في العراق: مواجهة حقيقية مع 'دولة النفوذ' أم تصفية حسابات سياسية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.