يتصدر مضيق هرمز واجهة المشهد الجيوسياسي من جديد، وسط تجاذبات حادة بين سلطنة عمان وإيران حول آليات إدارة هذا الممر المائي الذي يعد الشريان الأهم لتجارة الطاقة العالمية. وبينما تشدد مسقط على ضرورة إبقاء المضيق مفتوحاً وآمناً أمام حركة الملاحة الدولية، تبرز طهران رؤية مغايرة ترتكز على حق الدول الساحلية في الانفراد بتنظيم شؤونه.
وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي التزام بلاده الكامل باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مشدداً على أن المضيق يجب أن يظل بعيداً عن التوترات. وأوضح البوسعيدي أن مسقط لا تنوي فرض أي رسوم على عبور السفن، مفرقاً بين الرسوم المحظورة قانوناً وبين تكاليف الخدمات البيئية والبحرية التي تخضع لاتفاقات خاصة.
وعلى المقلب الآخر، جاءت تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، لتعكس توجهاً إيرانياً أكثر صرامة، حيث أشار إلى أن الوضع في المضيق لن يعود إلى سابق عهده. ولوح آبادي بإمكانية مضي طهران منفردة في وضع نظام إدارة جديد للمضيق في حال عدم رغبة الجانب العماني في التنسيق المشترك وفق الرؤية الإيرانية.
قانونياً، تظل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 هي المرجعية التي تحاول موازنة الكفة بين سيادة الدول المطلة وحقوق المجتمع الدولي في العبور. وتفرض هذه القواعد معادلة دقيقة تمنع الدول الساحلية من تحويل المضائق الدولية إلى بحيرات داخلية تخضع لإرادتها المنفردة، مما يضع الطموحات الإيرانية في مواجهة مع العرف الدولي.
ويبرز في هذا الإطار مصطلح 'المرور العابر' الذي يمنح السفن والطائرات حق العبور السريع والمتواصل دون عوائق في المضائق التي تصل بين أجزاء من أعالي البحار. هذا الحق يختلف جوهرياً عن 'المرور البريء' الذي يطبق في المياه الإقليمية، حيث يشترط الأخير عدم القيام بأي نشاط يهدد أمن الدولة الساحلية أو سلامتها.
وتشير التقارير إلى أن مضيق هرمز يمثل حالة قانونية فريدة وحساسة، إذ تغطي المياه الإقليمية لكل من إيران وعمان عرض المضيق بالكامل تقريباً. ورغم هذه الجغرافيا، فإن القانون الدولي يؤكد أن السيادة هنا مقيدة بحقوق الملاحة العالمية، ولا تمنح الدولتين حق تعطيل حركة التجارة تحت أي ذريعة سيادية.
ومن المفارقات القانونية أن إيران وقعت على اتفاقية قانون البحار لكنها لم تصدق عليها برلمانياً، بينما تعتبرها سلطنة عمان دستوراً بحرياً ملزماً وصادقت عليه رسمياً. هذا التباين في المركز القانوني يخلق مساحة من الرمادية تستغلها طهران أحياناً لتبرير مواقفها الساعية لفرض رقابة أوسع على الممر المائي.
إذا لم تكن عمان راغبة في إقامة نظام مشترك لمستقبل مضيق هرمز، فإن إيران ستمضي قدمًا في هذا الأمر بمفردها.
وفي المقابل، تبرز الولايات المتحدة كلاعب أساسي رغم عدم توقيعها على الاتفاقية، حيث تصر واشنطن على أن حرية الملاحة في المضائق الدولية باتت جزءاً من القانون الدولي العرفي. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن القوى البحرية الكبرى لن تسمح بتغيير قواعد اللعبة في هرمز بما يؤدي إلى خنق الملاحة أو فرض إرادة أحادية.
وعند مقارنة هرمز بمضائق أخرى، نجد أن مضيق ماجلان يخضع لمعاهدات ثنائية قديمة بين الأرجنتين وتشيلي تضمن حرية المرور منذ القرن التاسع عشر. بينما تنظم اتفاقية مونترو لعام 1936 حركة المرور في البوسفور والدردنيل التركيين، واضعة قيوداً محددة على السفن الحربية خاصة في أوقات النزاعات.
أما في مضيق ملقة، فنجد نموذجاً للتعاون الإقليمي بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، حيث يتم التركيز على السلامة الفنية ومسارات الفصل المروري. هذا النموذج التعاوني هو ما تفتقده منطقة الخليج حالياً في ظل غياب التوافق بين ضفتي مضيق هرمز حول الرؤية الأمنية والسياسية للممر.
وبالانتقال إلى باب المندب، يظهر المضيق كممر يخضع للقواعد العامة للمضائق الدولية لعدم وجود اتفاقية خاصة تنظمه، وهو ما يجعله مشابهاً لهرمز من حيث المرجعية القانونية. إلا أن التعقيدات العسكرية والسياسية المحيطة بهرمز تجعل من تطبيق هذه القواعد أمراً محفوفاً بالمخاطر والتوترات المستمرة.
وتحمل سلطنة عمان إيران المسؤولية الأساسية في تأمين خطوط الملاحة وإزالة الألغام، داعية إلى خفض التصعيد وتغليب لغة الحوار. وترى مسقط أن استقرار المنطقة يبدأ من تنفيذ التفاهمات الدولية وضمان تدفق التجارة دون انقطاع، بعيداً عن سياسة فرض الأمر الواقع التي قد تلوح بها أطراف أخرى.
إن الجدل الدائر حول هرمز ليس مجرد خلاف على ترسيم حدود، بل هو صراع على نفوذ استراتيجي وقدرة على التحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي. وتظل القواعد الدولية هي الحصن الأخير لمنع تحول هذا الممر الحيوي إلى ساحة للمواجهة المباشرة أو الابتزاز السياسي بين القوى الإقليمية والدولية.
ختاماً، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة القانون الدولي على الصمود أمام حسابات القوة على الأرض، خاصة مع تلويح إيران بإجراءات أحادية. إن مستقبل مضيق هرمز سيتحدد بناءً على التوازن بين احترام السيادة الوطنية للدول الساحلية وبين الالتزام بالحقوق التاريخية للمجتمع الدولي في عبور آمن وغير مشروط.





Share your opinion
مضيق هرمز بين السيادة وحرية الملاحة: صراع الرؤى بين مسقط وطهران تحت مجهر القانون الدولي