Sat 27 Jun 2026 1:15 am - Jerusalem Time

خارطة التمدد الإسرائيلي جنوب لبنان: كيف يفرض الاحتلال 'المنطقة العازلة' كأمر واقع؟

تشهد مناطق جنوب لبنان تحولات ميدانية متسارعة في ظل إعلان التوصل إلى اتفاق إطاري، حيث تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خرق تفاهمات وقف إطلاق النار. وتهدف هذه التحركات إلى فرض واقع جغرافي جديد يعزز من مساحة المنطقة العازلة التي يسعى الاحتلال لتثبيتها كأمر واقع قبيل الدخول في أي مفاوضات نهائية.

ولم يعد 'الخط الأصفر' الذي يحدد الحافة الجنوبية للبنان ثابتاً كما كان عند إعلان وقف النار للمرة الأولى، إذ رصدت مصادر ميدانية توسيعات متكررة في مساحته. هذه التوسيعات شملت قرى وبلدات لم تكن ضمن النطاق الأولي، مما يشير إلى رغبة إسرائيلية في قضم المزيد من الأراضي اللبنانية وتأمين عمق استراتيجي أكبر.

وفي القطاع الغربي، تبرز التغيرات بوضوح بعد أن كانت حدود المنطقة العازلة تنتهي عند بلدتي البياضة وشمع. إلا أن التمدد الأخير دفع بهذه الحدود شمالاً لتلتهم بلدات زبقين ومجدل زون وبيوت السياد، وسط توغلات برية مكثفة نفذتها آليات الاحتلال خلال الأيام الماضية.

وتشير التقارير إلى أن القوات الإسرائيلية وصلت بالفعل إلى مشارف بلدة المنصوري الساحلية، وهو ما يمنحها سيطرة جزئية على الشريط الساحلي الجنوبي. هذا التقدم يهدف إلى عزل القرى الحدودية تماماً عن العمق اللبناني، وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة يمنع المدنيون من الاقتراب منها.

أما في القطاع الأوسط، فقد اتسعت رقعة المناطق المحظورة على اللبنانيين لتشمل مساحات إضافية باتجاه بلدة حداثا وصولاً إلى مشارف تبنين. وقد سجلت مصادر محلية توغلاً لآليات إسرائيلية يوم الجمعة الماضي انطلق من حداثا باتجاه أطراف بلدة حريص، وهي منطقة تقع خارج الترسيمات المعلنة للخط الأصفر.

وقد قامت قوات الاحتلال باقتحام أحد المنازل في بلدة حريص وتحويله إلى نقطة تمركز عسكرية، تزامناً مع عمليات تمشيط واسعة في المحيط. ورافق هذه التحركات البرية تحليق مكثف للطائرات المسيّرة وطائرات الاستطلاع التي لم تغادر سماء المنطقة، مما يعكس حالة من الاستنفار الدائم.

وبالانتقال إلى القطاع الشرقي، تظهر التحولات الأكبر والأخطر منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، حيث تركزت التحركات حول نقاط استراتيجية شمال نهر الليطاني. ورغم إدراج قلعة الشقيف سابقاً ضمن الخط الأصفر، إلا أن التمركز الميداني الفعلي فيها لم يبدأ بشكل مكثف إلا مؤخراً.

وتسعى القوات الإسرائيلية من خلال سيطرتها على قلعة الشقيف والمرتفعات المحيطة بها إلى تأمين إشراف مباشر على مدينة النبطية وقراها. وتمنح هذه المرتفعات، وخاصة كفرتبنيت وعلي الطاهر، أفضلية استخباراتية وعسكرية كبيرة للاحتلال، مما يفسر الإصرار على البقاء فيها رغم الضغوط الدولية.

وفي سياق متصل، كشفت تقارير إعلامية عن مقترح لإنشاء 'مناطق تجريبية' قد ينسحب منها الجيش الإسرائيلي ويسلمها للجيش اللبناني تحت رقابة دولية. وتتركز هذه المواقع في القطاع الشرقي، وتحديداً في منطقة وادي السلوقي وبلدة زوطر الواقعة عند الحدود الغربية للخط الأصفر.

ونقلت مصادر صحفية عن موقع 'أكسيوس' أن ضباطاً أمريكيين قد يشاركون في الإشراف الميداني على عمليات الانسحاب المحدودة بالتنسيق مع الجيش اللبناني. وتأتي هذه الخطوة في محاولة لخفض التوتر، إلا أنها تظل مرهونة بمدى التزام الاحتلال بالجدول الزمني المقترح للانسحاب.

من جانبه، لا يزال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يشدد على ضرورة استمرار الوجود العسكري داخل حدود الخط الأصفر لفترة غير محددة. ويرفض نتنياهو بشكل قاطع السماح للنازحين اللبنانيين بالعودة إلى قراهم الواقعة ضمن هذا النطاق، معتبراً إياها مناطق أمنية ضرورية لحماية المستوطنات الشمالية.

في المقابل، أعلن حزب الله رفضه القاطع للاتفاق الإطاري بصيغته الحالية، مؤكداً أنه لن يقبل بأي ترتيبات لا تضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل. ويرى الحزب أن التحركات الإسرائيلية الحالية هي محاولة لفرض احتلال مقنع تحت مسمى المناطق العازلة، وهو ما سيواجه بالمقاومة الميدانية.

وتشير هذه التطورات إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار يمر بمرحلة حرجة للغاية في ظل غياب آليات الرقابة الفعالة على الأرض. فبينما يتحدث الدبلوماسيون عن تهدئة، ترسم المجنزرات الإسرائيلية حدوداً جديدة بالدم والنار، مما يهدد بانهيار التفاهمات الهشة والعودة إلى مربع المواجهة الشاملة.

ويبقى المشهد في جنوب لبنان معلقاً بين رغبة الاحتلال في قضم الجغرافيا اللبنانية وبين إصرار اللبنانيين على استعادة سيادتهم الكاملة. ومع استمرار الانتهاكات اليومية، تظل المنطقة العازلة مشروعاً إسرائيلياً يواجه رفضاً شعبياً ورسمياً واسعاً، وسط ترقب لما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية المقبلة.

Tags

Share your opinion

خارطة التمدد الإسرائيلي جنوب لبنان: كيف يفرض الاحتلال 'المنطقة العازلة' كأمر واقع؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.