تشير الدراسات التاريخية والأركيولوجية الحديثة إلى أن كريستوفر كولومبوس لم يكن أول من وطئت قدماه اليابسة في القارة الأمريكية عام 1492. حيث تؤكد الأبحاث وجود تواصل قديم بين قارات العالم القديم والأمريكيتين، شارك فيه مسلمون من الأندلس وغرب أفريقيا قبل الإسبان والبرتغاليين بقرون عديدة، مستفيدين من تطور العلوم الجغرافية لديهم.
لقد وضع العلماء المسلمون الأسس النظرية لهذا الاكتشاف قبل حدوثه فعلياً، حيث استطاع العالم الموسوعي أبو الريحان البيروني قياس محيط الأرض بدقة مذهلة وتأكيد كرويتها. واستنتج البيروني منطقياً ضرورة وجود كتلة أرضية ممتدة بين شرق آسيا وغرب أفريقيا لتشغل الفراغ المتبقي من حجم الأرض المحسوب، وهو وصف ينطبق جغرافياً على الأمريكيتين.
في القرن العاشر الميلادي، رسم الجغرافي الشهير المسعودي خريطة للمحيط الأطلسي تضمنت ما أسماه 'الأرض المجهولة'. وذكر في كتابه 'مروج الذهب' قصصاً عن مغامرين من الأندلس عبروا 'بحر الظلمات' وانطلقوا من موانئ قريبة من تلك التي استخدمها كولومبوس لاحقاً، وعادوا بمغانم كثيرة تدل على وصولهم ليابسة غنية.
لم تقتصر الرحلات على مسلمي الأندلس، بل امتدت لتشمل إمبراطورية مالي في غرب أفريقيا، حيث يذكر المؤرخ ابن فضل الله العمري رحلة السلطان محمد بن أبي بكر. هذا السلطان قاد أسطولاً ضخماً من مئات السفن في المحيط الأطلسي، وهي الرواية التي دعمها عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي إيفان سيرتيما بوجود أدلة مادية في المكسيك وفلوريدا.
تؤكد الكشوف الأركيولوجية في الولايات المتحدة وبيرو والبرازيل وصول بحارة من شعب المانديكا الإفريقي المسلم واختلاطهم بالسكان الأصليين في القرن الرابع عشر. وقد عزز هذه الفرضية البروفيسور باري فيل من جامعة هارفارد، الذي وثق وجود نقوش ومخطوطات بالخط الكوفي العربي في مواقع مختلفة من القارة الأمريكية تعود لفترة ما قبل الاستعمار الأوروبي.
كان العرب يقومون برحلات عظيمة بينما كنا بالكاد نغامر بالخروج من البحر الأبيض المتوسط.
المثير للدهشة أن كريستوفر كولومبوس نفسه ترك في يومياته ملاحظات تشير إلى وجود إسلامي سابق في المناطق التي زارها. فقد وصف رؤية مبنى يشبه المسجد على قمة تلة في كوبا، كما لاحظ أن ملابس السكان الأصليين وأغطية رؤوسهم تتشابه بشكل كبير مع الأزياء التي كانت سائدة في غرناطة الأندلسية في ذلك الوقت.
في العصر الحديث، أكد الدكتور كريج كونسيداين من جامعة رايس أن كولومبوس استخدم مصطلحات عربية لوصف ملابس السكان، مثل كلمة 'المئزر'. وهذا يشير إلى أن المستكشف الإسباني كان واعياً بوجود تأثيرات ثقافية إسلامية سبقت وصوله، وربما استعان بخرائط ومعارف بحارة مسلمين لتحديد مساره عبر المحيط.
تعد خريطة القائد البحري العثماني بيري رئيسي، التي رسمها عام 1510، واحدة من أكثر الأدلة إثارة للجدل والدهشة في الأوساط العلمية. الخريطة تظهر تفاصيل دقيقة للسواحل الأمريكية لم يتوصل إليها الأوروبيون إلا بعد عقود، مما يثبت أن العثمانيين امتلكوا مصادر معلومات وخرائط إسلامية أقدم وأكثر دقة مما كان متاحاً في الغرب.
يشير الباحث التركي فؤاد سيزكين إلى أن التطور المذهل في علم الخرائط لدى العرب والمسلمين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر مكنهم من رسم المحيطات بدقة. وقد اعترف الأدميرال الفرنسي إدموند باريس بهذه الحقيقة، موضحاً أن البحارة المسلمين كانوا يجوبون المحيطات البعيدة في وقت كان فيه الأوروبيون يخشون مغادرة سواحل البحر المتوسط.
إن مراجعة المسلمات التاريخية حول اكتشاف أمريكا أصبحت ضرورة علمية في ظل تراكم الأدلة المادية والنصية. فالاكتشاف لم يكن مجرد صدفة قادها كولومبوس، بل كان تتويجاً لقرون من المغامرات البحرية والتقدم العلمي الذي قاده المسلمون، والذين طُمست أدوارهم لاحقاً لأسباب سياسية واستعمارية تهدف لنسب الفضل للغرب وحده.





Share your opinion
أدلة تاريخية وأركيولوجية: هل وصل المسلمون إلى أمريكا قبل كولومبوس بقرون؟