سقط ثلاثة شهداء وأصيب شخص آخر بجروح متفاوتة، اليوم الخميس، إثر غارة نفذتها طائرة مسيرة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي استهدفت مركبة مدنية في جنوب لبنان. ووقعت الضربة على الطريق الواصل بين بلدتي زوطر وميفدون، في خرق جديد وواضح لاتفاقات وقف إطلاق النار الهشة التي تحاول الأطراف الدولية تثبيتها.
وفي سياق الانتهاكات الميدانية المستمرة، أقدمت قوات الاحتلال على إحراق عدد من المنازل السكنية في بلدة عين عرب الحدودية. وجاء هذا الاعتداء بعد تهديدات وجهها الجيش الإسرائيلي للأهالي بضرورة إخلاء منازلهم، رغم أن السكان كانوا قد عادوا للتو إلى بلدتهم عقب إعادة فتح الطرق الحيوية التي تربطها بالمناطق المجاورة.
تشير الإحصاءات الرسمية اللبنانية إلى أن حجم الخسائر البشرية منذ بدء العدوان الواسع في الثاني من مارس 2026 قد وصل إلى مستويات كارثية. حيث سجلت وزارة الصحة استشهاد 4211 شخصاً وإصابة أكثر من 12 ألفاً آخرين، فضلاً عن أزمة نزوح قسري طالت أكثر من مليون مواطن لبناني تركوا مدنهم وقراهم.
على الصعيد السياسي، كشف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن وجود تقدم ملموس في مسار المفاوضات الجارية حالياً في واشنطن بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. وأعرب روبيو، خلال تصريحات أدلى بها في البحرين، عن تفاؤله بإمكانية الوصول إلى التزام نوايا إيجابي خلال الأيام القليلة المقبلة، مؤكداً أن العمل مستمر لتجاوز العقبات.
ورغم التفاؤل الأمريكي، نقلت تقارير صحفية عبرية عن مسؤولين في تل أبيب أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يسعى لفرض واقع جديد على الأرض. وحسب المصادر، فإن نتنياهو نجح في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بضرورة بقاء القوات الإسرائيلية في مواقع معينة داخل جنوب لبنان، وهو ما يهدد بانهيار التفاهمات.
تتركز الخلافات الجوهرية في أروقة مفاوضات واشنطن حول نقطتين أساسيتين هما جدول انسحاب جيش الاحتلال وتحديد ما يسمى بـ 'المناطق التجريبية'. وتسعى إسرائيل من خلال هذه المفاوضات إلى انتزاع مكاسب أمنية تضمن لها التدخل المستقبلي، وهو ما يرفضه الجانب اللبناني الذي يصر على السيادة الكاملة.
نحن قريبون جداً من تحقيق آمالنا في الحصول على التزام نوايا بين البلدين، لكن الأمر سيتطلب الكثير من العمل والوقت.
من جانبه، دخل حزب الله على خط الأزمة السياسية من خلال كتلته البرلمانية التي دعت السلطات الرسمية في بيروت إلى التمسك بالثوابت الوطنية. وحذرت الكتلة من مغبة الانجرار وراء 'النهج الخاطئ' الذي قد يؤدي إلى تقديم تنازلات مجانية للاحتلال على حساب دماء الشهداء وتضحيات النازحين.
وجددت كتلة الوفاء للمقاومة رفضها القاطع لمبدأ المفاوضات المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، معتبرة أن أي نتائج تصدر عن هذا المسار ستكون منتقصة للسيادة. وأكدت أن الأولوية يجب أن تكون للانسحاب الفوري وغير المشروط لجيش الاحتلال من كافة الأراضي اللبنانية التي توغل فيها مؤخراً.
كما شدد الحزب في بيانه على ضرورة استثمار الدعم الإقليمي، وتحديداً الإيراني، لفرض شروط لبنان في وقف إطلاق النار. ودعا الحكومة اللبنانية إلى التركيز على ملفات عودة النازحين إلى ديارهم وتأمين إطلاق سراح الأسرى، بدلاً من الانخراط في مسارات تفاوضية تخدم الأجندة الإسرائيلية والأمريكية.
وكانت واشنطن وطهران قد توصلتا في منتصف يونيو الجاري إلى اتفاق مبدئي يقضي بالإنهاء الفوري والدائم لكافة العمليات العسكرية على مختلف الجبهات. إلا أن هذا الاتفاق لم يجد طريقه للتنفيذ الكامل على الأرض اللبنانية، حيث واصلت إسرائيل غاراتها الجوية وعملياتها البرية المحدودة تحت ذرائع أمنية.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن وتيرة الهجمات الإسرائيلية انخفضت نسبياً منذ مطلع الأسبوع الحالي، لكنها تظل محفوفة بالمخاطر مع استمرار الاغتيالات والقصف المركز. ويرى مراقبون أن إسرائيل تستخدم القوة العسكرية كأداة ضغط لتحسين شروطها التفاوضية في واشنطن قبل الإعلان عن أي اتفاق نهائي.
يبقى المشهد اللبناني معلقاً بين آمال التوصل إلى تسوية سياسية تنهي معاناة المدنيين، وبين واقع ميداني ينذر بانفجار الأوضاع في أي لحظة. ومع استمرار سقوط الضحايا، تتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الساعات القادمة في واشنطن، وهل سينجح الوسطاء في جسر الهوة العميقة بين مطالب بيروت وتعنت تل أبيب.





Share your opinion
تصعيد ميداني جنوبي لبنان ومفاوضات واشنطن تصطدم بملف الانسحاب