وضعت مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام أباد الأسبوع الماضي حداً لصراع عسكري استمر قرابة 15 أسبوعاً، وسط حالة من الارتياح المشوب بالحذر في الأوساط الدولية. وبموجب هذا الاتفاق الذي جاء بوساطة مشتركة من باكستان وقطر، تقرر إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، مع تحديد سقف زمني مدته 60 يوماً لبدء مفاوضات معمقة حول البرنامج النووي الإيراني وملف تخفيف العقوبات الاقتصادية.
ويرى مراقبون ودبلوماسيون، من بينهم إلدر محمدوف المستشار السياسي في البرلمان الأوروبي أن هذه المذكرة لا تهدف فقط إلى وقف العمليات القتالية، بل تؤسس لتحول جذري في البنية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط. ويطرح هذا التحول تساؤلات جدية حول إمكانية استنساخ 'لحظة نيكسونية' جديدة، تعيد إلى الأذهان السياسات الأمريكية في أواخر الستينيات التي ركزت على تفويض الأمن الإقليمي لحلفاء محليين.
ويستند هذا التحليل إلى 'مبدأ نيكسون' الذي أعلن عام 1969، والذي يقوم على استراتيجية 'الموازنة من الخارج' بعد إدراك واشنطن عدم قدرتها على لعب دور شرطي العالم بشكل منفرد. وفي ذلك الوقت، اعتمدت الولايات المتحدة على سياسة 'الركيزتين التوأمتين' المتمثلة في السعودية وإيران لضمان استقرار الخليج، وهو ما يبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تحاول إحياءه بصيغة مطورة تتناسب مع معطيات القرن الحادي والعشرين.
إلا أن النظام الناشئ حالياً لا يبدو مستنداً إلى قوة إقليمية واحدة أو ركيزتين فقط، بل يتشكل من تكتل واسع من القوى الإقليمية المستقلة. فقد أوضحت مصادر مطلعة أن المذكرة لم تكن اتفاقاً ثنائياً تقليدياً، بل نتاج دبلوماسية متعددة الأطراف شاركت فيها بفاعلية دول مثل السعودية وتركيا ومصر وسلطنة عمان، مما يشير إلى أن واشنطن باتت شريكاً لتحالف إقليمي بدلاً من كونها الحاكم الوحيد.
وقد برز دور باكستان في هذه العملية كإنجاز دبلوماسي لافت، حيث نجحت إسلام أباد في ترسيخ مكانتها كوسيط موثوق بين واشنطن وطهران. ويعكس هذا الدور اضطلاع قوى إقليمية بمسؤوليات استراتيجية كانت في السابق حكراً على الولايات المتحدة، مما يعطي إشارة واضحة على أن عصر الهيمنة الأمريكية المباشرة يفسح المجال لنظام أكثر توزيعاً للنفوذ والمسؤوليات.
لو كنت عضواً في الحكومة الإسرائيلية، ما كنت لأهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم بأسره.
وفي إطار هذا التوجه الجديد، تدرك واشنطن أن دعم شركائها يتطلب تعاوناً يتجاوز الجوانب العسكرية التقليدية ليشمل التنسيق الاستخباراتي والدبلوماسي. ففي الحالة الباكستانية مثلاً، قد يتطلب الأمر مساعدة إسلام أباد في مواجهة التهديدات الأمنية الداخلية من جماعات مسلحة، وهو نهج يحقق توازناً استراتيجياً يقلل من الحاجة لنشر قوات أمريكية مقاتلة على الأرض بشكل دائم.
وتعد مشاركة المملكة العربية السعودية في هذا التكتل الجديد نقطة تحول جوهرية، بالنظر إلى تاريخ التنافس الصفري الذي طبع علاقتها مع طهران لعقود. فالموافقة السعودية على الانخراط في إطار يقود إلى استقرار إقليمي ودمج اقتصادي لإيران تعكس رغبة في إنهاء الأزمات المزمنة، والتركيز على التنمية الاقتصادية المشتركة بعيداً عن سياسات المواجهة المباشرة.
من جانبها، تضفي تركيا ثقلاً عسكرياً ودبلوماسياً إضافياً على هذا التحالف الإقليمي، بصفتها قوة كبرى في حلف الناتو تتبنى سياسة خارجية مستقلة بشكل متزايد. ويمتلك هذا التكتل الذي يضم باكستان والسعودية وتركيا المقومات اللازمة لفرض واقع جيوسياسي جديد، حيث تتقاطع مصالح هذه الدول مع المصالح الأمريكية في تحقيق الاستقرار، دون أن تتطابق معها بالضرورة في كافة التفاصيل.
وقد ظهرت ملامح هذا التحول بوضوح في الموقف الأمريكي الصارم تجاه الانتقادات الإسرائيلية الحادة للاتفاق، حيث دافعت إدارة ترامب علناً عن مسار خفض التصعيد. وجاءت تصريحات نائب الرئيس جيه دي فانس لتضع النقاط على الحروف، حين وجه رسالة تذكيرية لقادة إسرائيل بأن أمنهم يعتمد بشكل أساسي على السلاح والتمويل الأمريكي، مؤكداً أن الأهداف الاستراتيجية لواشنطن لن تخضع لتفضيلات الشركاء الإقليميين.
في الختام، يبدو أن 'مذكرة إسلام أباد' قد تكون اللحظة التاريخية التي بدأ فيها الشرق الأوسط الانتقال من عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة إلى عصر تكتل القوى الإقليمية. ورغم أن المنطق الأساسي لمبدأ نيكسون يظل حاضراً، إلا أن تعدد الفاعلين واستقلاليتهم يجعل من النظام الجديد أكثر تعقيداً وتعددية، مما يفرض على واشنطن دوراً جديداً كقوة موازنة تدعم الاستقرار من بعيد.





Share your opinion
عودة 'مبدأ نيكسون': هل تعيد مذكرة إسلام أباد صياغة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط؟