Wed 24 Jun 2026 10:19 am - Jerusalem Time

الراقصون على الدماء: سقوط الأخلاق في زمن الإبادة



في مشهد يكاد يختصر أزمة الضمير الإنساني في عصرنا، امتلأت بعض الساحات والشوارع الأوروبية بمؤيدين لإسرائيل يلوحون بالأعلام ويرددون الهتافات ويرقصون احتفالاً بما يعتبرونه انتصاراً سياسياً أو عسكرياً بدماء الأطفال والنساء وتدمير القرى والمخيمات، لم يكن المشهد عادياً بالنسبة لملايين البشر الذين تابعوا في الوقت ذاته صور هؤلاء الأطفال المنتشلين من تحت الأنقاض، والأمهات الثكالى، والمدن المدمرة في غزة ولبنان، فبينما الدماء لا تزال ساخنة على الأرض، كانت أصوات الموسيقى والاحتفالات ترتفع في أماكن أخرى وكأن المأساة لا تعنيهم.
هذه المفارقة الصادمة لا تعكس مجرد اختلاف في المواقف السياسية، بل تكشف عن أزمة أخلاقية عميقة باتت تضرب أسس الخطاب الغربي الذي طالما قدم نفسه بوصفه حاملاً لقيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، فحين يصبح قتل المدنيين وتدمير الأحياء السكنية وتهجير السكان أحداثاً يمكن تجاوزها أو تبريرها أو حتى الاحتفال بنتائجها، فإن السؤال لم يعد يتعلق بالسياسة وحدها، بل بحدود الإنسانية نفسها.
لقد نجحت إسرائيل على مدار عقود في تسويق نفسها داخل الغرب باعتبارها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وهي العبارة التي تكررت كثيراً حتى تحولت إلى مسلّمة سياسية وإعلامية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي، غير أن الديمقراطية، في جوهرها، لا تُقاس فقط بوجود انتخابات أو مؤسسات سياسية، بل أيضاً بمدى احترام حقوق الإنسان والمساواة والعدالة، وهنا يبرز التناقض الكبير بين الصورة التي تسعى إسرائيل إلى تصديرها للعالم وبين واقع الاحتلال المستمر للأرض الفلسطينية، وسياسات الاستيطان، والحصار، والتمييز العنصري  وحرمان ملايين الفلسطينيين من أبسط حقوقهم الوطنية والإنسانية.
إن الدفاع عن دولة تحتل أرض شعب آخر منذ عقود وتفرض عليه أنظمة من السيطرة والقهر لا يمكن فصله عن الأسئلة الأخلاقية الكبرى المتعلقة بالعدالة، والأخطر من ذلك هو أن يتحول هذا الدفاع إلى حالة من الإنكار الكامل لمعاناة الضحايا أو إلى تبرير مفتوح للعمليات العسكرية التي تطال المدنيين، فحين يُختزل شعب بأكمله في صورة العدو، يصبح قتل أطفاله أمراً قابلاً للتبرير في نظر البعض، وتصبح معاناته مجرد تفصيل هامشي في الرواية الكبرى التي يراد فرضها.
لقد كشفت الحرب الأخيرة حجم التغير الذي أصاب جزءاً من الرأي العام العالمي، فبينما شهدت مدن عديدة حول العالم مظاهرات حاشدة تطالب بوقف الحرب وحماية المدنيين، ظهرت أيضاً أصوات وجماعات اختارت الوقوف خلف القوة العسكرية مهما بلغت الكلفة الإنسانية، ولم يكن الأمر مجرد تأييد سياسي لإسرائيل، بل وصل في بعض الأحيان إلى مستوى الاحتفاء العلني بالعمليات العسكرية رغم ما خلفته من دمار هائل وخسائر بشرية واسعة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد قدرته على التعاطف مع الضحايا، فحين تتراجع قيمة الإنسان أمام الانتماء السياسي أو الديني أو القومي، يصبح الطريق ممهداً لتبرير كل أشكال العنف والظلم، والتاريخ مليء بالأمثلة التي أثبتت أن الجرائم الكبرى لم تُرتكب فقط بأيدي منفذيها، بل أيضاً بصمت المؤيدين وتبريرات المتفرجين واحتفالات المستفيدين منها.
ما يحدث اليوم يفرض على العالم إعادة النظر في المعايير التي يدعي الدفاع عنها، فحقوق الإنسان لا تتجزأ، ودماء الأطفال لا تختلف قيمتها باختلاف جنسياتهم أو دياناتهم أو هوياتهم القومية، وإذا كان البعض يرى في الرقص والاحتفال تعبيراً عن موقف سياسي، فإن ملايين الضحايا يرونه تعبيراً عن اللامبالاة بمعاناتهم وعن سقوط أخلاقي يضاف إلى مأساتهم.
 قد تنجح القوة العسكرية في فرض وقائع مؤقتة على الأرض، وقد تنجح الدعاية السياسية في صناعة روايات تخدم أصحاب النفوذ، لكن التاريخ يبقى أكثر إنصافاً من لحظة الصخب الراهنة، فهو لا يتذكر فقط من أطلق النار أو أصدر الأوامر، بل يتذكر أيضاً من صفق للدماء، ومن رقص فوق أنقاض المدن، ومن اختار الوقوف إلى جانب الضحية في زمن عزّ فيه صوت العدالة.
في نهاية المطاف، لن يتذكر التاريخ الأعلام التي رُفعت في ساحات الاحتفال، ولا الأغاني التي صدحت في الشوارع، ولا الحشود التي رقصت فرحاً بالقوة والقتل ، ما سيبقى هو صور الأطفال الذين قُتلوا قبل أن يكبروا، والأمهات اللواتي احتضنَّ أبناءهن للمرة الأخيرة تحت الركام، والآباء الذين وقفوا عاجزين أمام قبورٍ جماعية ابتلعت أحلام عائلات بأكملها.
الرقص فوق الدماء لا يصنع نصراً، والاحتفال وسط المذابح لا يمنح شرعية لأحد، بل يكشف حجم السقوط الأخلاقي الذي يمكن أن يبلغه الإنسان حين يفقد قدرته على رؤية الضحية إنساناً مثله، وحين يأتي يوم الحساب أمام محكمة التاريخ، لن تكون الأسئلة عن الانتماءات والأعلام والشعارات، بل عن الأطفال الذين قُتلوا، وعن المدن التي دُمّرت، وعن البشر الذين تُركوا وحدهم في مواجهة الموت، بينما كان آخرون يصفقون ويغنون ويرقصون فرحا لموتهم.
سيكتشف العالم عاجلاً أم آجلاً أن الدم لا يمكن أن يكون أساساً للسلام، وأن الظلم لا يمكن أن يصنع أمناً، وأن الشعوب قد تُهزم عسكرياً لكنها لا تموت ما دامت ذاكرتها حية، أما الذين احتفلوا بالمأساة، فسيبقون وصمةً في صفحات هذا الزمن الأسود، شاهداً على عصرٍ لم يفشل فيه بعض الناس في حماية الضحايا فحسب، بل ممن فقدوا حتى إنسانيتهم ان كان لها وجود اصلا .

Tags

Share your opinion

الراقصون على الدماء: سقوط الأخلاق في زمن الإبادة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.