Tue 23 Jun 2026 10:17 am - Jerusalem Time

حين يصبح الصراخ لغة العاجزين عن إيقاف التحولات ...

لم يكن انفعال السفير الإسرائيلي داخل أروقة الأمم المتحدة حدثاً بروتوكولياً عابراً، ولا مجرد خروج مؤقت عن الأعراف الدبلوماسية. ففي السياسة، كما في التاريخ، تكتسب بعض اللحظات أهميتها لا مما قيل فيها، بل مما تكشفه من تحولات أعمق تجري تحت السطح.

لقد اعتادت إسرائيل، منذ عقود، التعامل مع الانتقادات الدولية بوصفها ضجيجاً سياسياً يمكن احتواؤه أو تجاوزه. وكانت تدرك أن موازين القوى الدولية، وطبيعة التحالفات القائمة، كفيلة في معظم الأحيان بمنع تحول هذه الانتقادات إلى إجراءات ذات أثر حقيقي. لكن ما يبدو مختلفاً اليوم هو أن النقاش العالمي لم يعد يدور فقط حول السياسات، بل حول المبادئ ذاتها: العدالة، والقانون الدولي، وحقوق الإنسان، وحدود القوة في التعامل مع الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.

إن الخطر الحقيقي الذي تواجهه إسرائيل لا يتمثل في تقرير أممي هنا أو قرار دولي هناك، بل في تراكم سردية عالمية جديدة آخذة بالتشكل. سردية لا تنطلق من الحسابات الجيوسياسية التقليدية بقدر ما تنطلق من صور الضحايا، وشهادات الناجين، وتقارير المنظمات الحقوقية، والأسئلة الأخلاقية التي بات من الصعب تجاهلها.

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم تعد القضية الفلسطينية حاضرة فقط في بيانات الحكومات أو اجتماعات الدبلوماسيين، بل أصبحت حاضرة بقوة في الجامعات، والنقابات، ووسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، وفي وجدان قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. وهذا التحول بالغ الأهمية، لأن الحكومات قد تغير سياساتها وفق مصالحها، أما التحولات في الوعي الجمعي فتكون أبطأ، لكنها أكثر رسوخاً وأبعد أثراً.

وإذا كانت إسرائيل تواجه تحدياً متصاعداً على مستوى الصورة والشرعية، فإن المجتمع الدولي بدوره يواجه اختباراً لا يقل أهمية. فالمسألة لم تعد تتعلق بإدانة أو تبرئة طرف بعينه، بل بمصداقية النظام الدولي نفسه. إذ كيف يمكن للمؤسسات الدولية أن تطالب باحترام القانون الدولي في مكان، ثم تبدو عاجزة عن فرض المعايير ذاتها في مكان آخر؟ وكيف يمكن للعدالة أن تحافظ على معناها إذا أصبحت خاضعة لموازين القوة والنفوذ؟

من هنا، فإن أهمية المشهد الأممي الأخير لا تكمن في فقدان السفير الإسرائيلي أعصابه، بل في كونه يعكس اتساع الفجوة بين خطاب رسمي يسعى إلى الحفاظ على رواية تقليدية، وبين واقع دولي يتغير بصورة متسارعة. فالعالم الذي كان يقبل كثيراً من المسلمات قبل عقدين أو ثلاثة لم يعد هو العالم نفسه اليوم.

ولعل ما يثير القلق في إسرائيل ليس مجرد تزايد الانتقادات، بل تراجع قدرتها على احتواء تلك الانتقادات أو منع تحولها إلى قناعات راسخة لدى أجيال جديدة حول العالم. فمعارك السياسة يمكن كسبها أو خسارتها، أما معارك الوعي فغالباً ما تكون نتائجها أبعد مدى وأكثر تأثيراً.

ولهذا فإن الصراخ داخل قاعات الأمم المتحدة، مهما علا، لا يستطيع أن يوقف التحولات الجارية. فالشرعية لا تُفرض بالقوة، والاحترام لا يُنتزع بالغضب، والتاريخ لا يعود إلى الوراء لأن دبلوماسياً فقد أعصابه في لحظة توتر.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت إسرائيل تواجه أزمة دبلوماسية عابرة، بل ما إذا كان العالم يشهد بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها قوة الرواية التقليدية لصالح رواية أخرى تستند إلى القانون والحقوق والعدالة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن ما جرى في الأمم المتحدة لن يكون مجرد حادثة معزولة، بل علامة من علامات التحول الأكبر الذي يتشكل أمام أعيننا.

——————————————————————

من هنا، فإن أهمية المشهد الأممي الأخير لا تكمن في فقدان السفير الإسرائيلي أعصابه، بل في كونه يعكس اتساع الفجوة بين خطاب رسمي يسعى إلى الحفاظ على رواية تقليدية، وبين واقع دولي يتغير بصورة متسارعة


Tags

Share your opinion

حين يصبح الصراخ لغة العاجزين عن إيقاف التحولات ...

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.