تأتي مذكرة التفاهم الموقعة مؤخراً بين الإدارة الأمريكية والجانب الإيراني في سياق محاولات الطرفين لتسويق إنجازات سياسية أمام جبهاتهما الداخلية. فبينما يواجه الرئيس الأمريكي انتقادات حادة لمنحه تنازلات وصفت بأنها تفوق ما قدمه اتفاق 2015، يرى تيار في إيران أن الاتفاق يمثل تراجعاً عن تضحيات القادة العسكريين والسياسيين.
الحقيقة الميدانية تشير إلى أن حالة الإنهاك التي أصابت واشنطن وطهران بعد 111 يوماً من الصراع، تخللتها 39 يوماً من المواجهة العسكرية المباشرة، كانت الدافع الأكبر للجلوس على طاولة المفاوضات. وقد ساهمت عوامل لوجستية وسياسية، مثل استضافة الولايات المتحدة لكأس العالم واقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس، في تسريع وتيرة التوقيع.
تحتاج الإدارة الأمريكية الحالية للتفرغ لملفات داخلية ضاغطة، وعلى رأسها التضخم المتصاعد والمعارضة البرلمانية المتزايدة لاستمرار الحرب. كما تعاني القوات الأمريكية من نقص في الذخائر وتململ في صفوف الجنود، بالإضافة إلى الحاجة الملحة لترميم القواعد العسكرية التي تضررت في دول الخليج والأردن خلال المواجهات الأخيرة.
على الجانب الآخر، تسعى إيران من خلال هذه الهدنة إلى التقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوضاعها العسكرية والاجتماعية المتضررة من القصف. ويهدف النظام الإيراني إلى تخفيف آثار الحصار البحري الذي أدى لارتفاع جنوني في الأسعار ونقص السلع الأساسية، مما أثر بشكل مباشر على سوق العمل والتجارة الخارجية.
تضمنت نصوص المذكرة مكاسب متبادلة؛ حيث حصلت طهران على رفع الحصار البحري عن موانئها مقابل ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز دون رسوم. كما شملت التفاهمات السماح لإيران بتصدير نفطها ومنتجاتها البترولية واستعادة الخدمات المصرفية والتأمينية، مقابل تأكيدات بعدم السعي لتطوير أسلحة نووية.
تظل معضلة الثقة هي العائق الأكبر أمام تحول هذه المذكرة إلى اتفاق دائم، خاصة مع السجل الأمريكي الحافل بنقض العهود. ويستذكر المراقبون انسحاب واشنطن من اتفاق 2015، والهجمات التي شنتها في حزيران 2025 وفبراير 2026، مما يجعل الوعود الحالية موضع تشكيك كبير لدى صانع القرار الإيراني.
في الملف الفلسطيني، تبرز خيبة الأمل من الوعود الأمريكية، حيث لم تلتزم واشنطن بتعهداتها السابقة بشأن وقف إطلاق النار في غزة. ورغم الحديث عن مجلس للسلام، فقد ارتفع عدد الشهداء في القطاع إلى 1008 أشخاص منذ إقرار الاتفاق الأخير، في ظل استمرار التعنت الإسرائيلي ومنع دخول مواد الإعمار.
إن الإنهاك الذي أصاب الطرفين بعد 111 يوماً من الصراع هو السبب الرئيس لتوقيع مذكرة التفاهم رغم غياب الثقة وتباعد المواقف الحقيقية.
الوضع في لبنان ليس أفضل حالاً، حيث تم انتهاك التعهدات الأمريكية بوقف إطلاق النار مراراً، وكان آخرها خرق الهدنة التي كان مقرراً بدؤها الجمعة الماضية. وتواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية بوتيرة قتل عالية، متجاهلة نصوص المذكرة التي تدعو للإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات.
تشير مصادر مطلعة إلى أن واشنطن خالفت البند الأول من المذكرة الذي ينص على الامتناع عن التهديد باستخدام القوة، حيث استمرت التصريحات العدائية من كبار المسؤولين الأمريكيين. كما أن التفسيرات المتعلقة بإنهاء الحرب في غزة لا تزال غامضة، مع غياب أي رد فعل أمريكي تجاه التوسع الاستيطاني والعسكري الإسرائيلي.
حققت إيران اعترافاً ضمنياً بنفوذها في المنطقة من خلال النص على سيادتها المشتركة مع سلطنة عُمان على مضيق هرمز، والتأكيد على دورها في لبنان. ومع ذلك، فإن هذه المكاسب تبقى معلقة بمدى الالتزام الإسرائيلي بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة مؤخراً، وهو ما يرفضه المسؤولون الإسرائيليون علانية.
يرى محللون أن إيران نجحت في دفع ترامب لقبول مبدأ تجزئة التفاوض، وهو ما كان يرفضه سابقاً، حيث تم ترحيل قضية السلاح النووي لمرحلة لاحقة. هذا التوجه أثار انتقادات لترامب، الذي بدا وكأنه قدم أولوية فتح مضيق هرمز على الملف النووي الذي كان سبباً رئيساً لدخول الحرب.
تتبع الولايات المتحدة وإسرائيل استراتيجية ربط الملفات، حيث يتم رهن تنفيذ خطة إعادة إعمار إيران، المقدرة بـ 300 مليار دولار، بحسم الملف النووي نهائياً. كما يتم ربط الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة ورفع العقوبات بمدى التقدم في مفاوضات السلاح النووي التي قد تستغرق شهوراً طويلة.
التجارب التاريخية تشير إلى أن مفاوضات الملف النووي معقدة للغاية ولا يمكن حسمها في مهلة الشهرين المحددة، بالنظر إلى أن اتفاق 2015 استغرق سنوات من المباحثات. ومن المتوقع أن تصر القوى الغربية على إدراج ملف الصواريخ الباليستية والمُسيرات في أي اتفاق نهائي لضمان أمن إسرائيل.
تدرك طهران طبيعة التقلبات السياسية الأمريكية، وهي تراهن حالياً على إطالة أمد التفاوض حتى اتضاح نتائج انتخابات الكونغرس القادمة. وتهدف إيران من هذه التهدئة إلى ترميم منشآتها المدنية والعسكرية، والتجهيز لجولة مواجهة محتملة قد يقدم عليها ترامب بضغوط إسرائيلية قبل نهاية ولايته.





Share your opinion
هدنة واشنطن وطهران: مكاسب هشة وتحديات تنفيذ في ظل انعدام الثقة