Thu 18 Jun 2026 8:21 pm - Jerusalem Time

12 تريليون يورو حبيسة الودائع.. لماذا يخشى الأوروبيون الاستثمار في الأسواق المالية؟

سلط تقرير اقتصادي حديث الضوء على ظاهرة تزايد المدخرات السلبية لدى العائلات في القارة العجوز، حيث كشفت دراسة صادرة عن معهد هندرسون التابع لمجموعة بوسطن الاستشارية أن الأسر الأوروبية تدخر في المتوسط 15% من صافي دخلها. وتعد هذه النسبة مرتفعة للغاية عند مقارنتها بالولايات المتحدة، حيث تزيد بنحو ثلاثة أضعاف عن معدلات الادخار الأمريكية، مما يعكس فجوة سلوكية عميقة في التعامل مع الثروات الشخصية.

وأشارت الدراسة التي حملت عنوان 'النقد ورأس المال والثقافة المالية' إلى أن إجمالي المبالغ المودعة في الحسابات والودائع منخفضة العائد في أوروبا بلغت نحو 12 تريليون يورو. هذا الرقم الضخم يظل حبيس الأدوات المصرفية التقليدية بدلاً من ضخه في أسواق رأس المال التي يمكن أن تدر عوائد أعلى وتدعم الدورة الاقتصادية الكلية للقارة.

وتظهر الأرقام تبايناً حاداً في مستويات المشاركة المالية، إذ لا تتجاوز نسبة الأسر الأوروبية المنخرطة في أسواق رأس المال 27%، في حين تصل هذه النسبة إلى 60% لدى العائلات في الولايات المتحدة. ويعتبر الخبراء أن هذا الاحتياطي النقدي المعطل قد يكون المفتاح الأساسي لدعم القدرة التنافسية الأوروبية المهددة بالتراجع أمام القوى الاقتصادية العالمية الأخرى.

ويربط التقرير بين هذه المدخرات الراكدة وبين احتياجات الاستثمار السنوية التي حددها 'تقرير دراغي' والمقدرة بنحو 800 مليار يورو سنوياً. ويرى المحللون أن تعبئة جزء من هذه المدخرات الخاصة نحو الاستثمارات المنتجة كفيل بسد الفجوة التمويلية الهائلة التي تعاني منها المشاريع التنموية والتكنولوجية في الاتحاد الأوروبي.

وعزت الدراسة أسباب هذا العزوف الاستثماري إلى عوامل هيكلية وثقافية، أبرزها انعدام الثقة في المؤسسات المالية وضعف الثقافة المالية لدى شريحة واسعة من المواطنين. وأكدت النتائج أن التثقيف المالي وتوفير استشارات موثوقة يمثلان حجر الزاوية لتحويل هذه المدخرات من مجرد أرقام في حسابات جارية إلى محركات للنمو الاقتصادي.

واستندت الدراسة إلى استطلاع واسع شمل أكثر من 5 آلاف شخص في كبرى الاقتصادات الأوروبية مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا. ورسمت الإجابات صورة واضحة لعائلات تتسم بالحذر الشديد والارتياب من تقلبات الأسواق المالية، حيث يضع أكثر من نصف المشاركين ثرواتهم في أدوات مالية لا تحقق نمواً حقيقياً يذكر.

وفي تصريح لمسؤولين في مجموعة بوسطن الاستشارية، تم التأكيد على أن مبلغ 12 تريليون يورو الراكد لا يمثل ضياع فرص للأفراد فحسب، بل يشكل عائقاً أمام التطور الهيكلي للقارة. وأوضح الخبراء أن العقبة الحقيقية ليست في مبدأ المخاطرة، بل في غياب الأدوات المعرفية التي تمكن المواطن من فهم هذه المخاطر وإدارتها بشكل عقلاني.

ولعل أكثر ما يثير القلق في نتائج الدراسة هو سلوك الفئات الشابة دون سن الخامسة والثلاثين، حيث أبدى 55% منهم عدم ارتياح تجاه المخاطر المالية. ورغم أن هذه الفئة تملك أفقاً زمنياً طويلاً يسمح لها بتجاوز تقلبات السوق، إلا أن النزعة المحافظة تسيطر على قراراتهم المالية بشكل يماثل الأجيال الأكبر سناً.

وعند عرض حالة افتراضية لاستثمار مبلغ 10 آلاف يورو حتى سن التقاعد، اقترح ثلثا المشاركين حلولاً محافظة تركز على حماية رأس المال فقط. وتعكس هذه النتيجة أن الحذر الأوروبي المفرط هو نتاج لمحدودية الإلمام بآليات الاستثمار المعقدة، وليس تقييماً مبنياً على معطيات اقتصادية دقيقة للمخاطر والفرص المتاحة.

ووجد المشرفون على الدراسة علاقة طردية مباشرة بين مستوى المعرفة المالية والاستعداد للاستثمار، حيث تزداد القدرة على تحمل المخاطر مع كل تحسن في الثقافة المالية. وأشار نحو 30% من المستطلعين إلى أن تسهيل الوصول إلى الاستشارات المالية المتخصصة سيكون الحافز الأكبر لهم لزيادة حجم استثماراتهم في المستقبل.

كما تلعب الثقة في الدور الحكومي دوراً محورياً في تغيير هذا السلوك، إذ أبدى 40% من المشاركين استعدادهم للاستثمار في حال توفرت قائمة خيارات معتمدة من الدولة. هذا المطلب يعكس حاجة الأوروبيين إلى 'مظلة أمان' مؤسسية تشجعهم على الخروج من دائرة الادخار التقليدي نحو آفاق استثمارية أكثر رحابة.

وفيما يتعلق بملف التقاعد، أظهرت الدراسة أن تقديم نماذج ناجحة من دول أخرى مثل السويد وهولندا ساهم في رفع مستوى التأييد لمقترحات الاستثمار التكميلي. وارتفعت نسبة القبول بمقدار 18 نقطة مئوية بمجرد تقديم أمثلة ملموسة، مما يثبت أن الشفافية والتجارب الواقعية قادرة على تغيير القناعات الراسخة تجاه القضايا المالية المعقدة.

وخلص التقرير إلى أن مستقبل الاقتصاد الأوروبي يعتمد بشكل كبير على قدرة الحكومات والمؤسسات على بناء جسور الثقة مع المودعين. إن تحويل أوروبا من 'قارة مدخرين' إلى 'قارة مستثمرين' يتطلب ثورة في التعليم المالي وتطوير أدوات استثمارية تتسم بالشفافية والوضوح لتلبية تطلعات الأسر الباحثة عن الأمان والنمو في آن واحد.

Tags

Share your opinion

12 تريليون يورو حبيسة الودائع.. لماذا يخشى الأوروبيون الاستثمار في الأسواق المالية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.