في القدس، لكل حجر حكاية، ولكل بيت ذاكرة، وُلدت عبر العقود مفارقات قانونية واجتماعية يصعب على العقل استيعابها، حتى بات بعضها أقرب إلى الواقع الذي يفوق الخيال منه إلى المنطق والقانون.
ومن أكثر هذه المفارقات غرابة قصة “الإيجار المحمي”، ذلك النظام الذي ربما كان له ما يبرره في ظروف تاريخية معينة، لكنه مع مرور الزمن تحول في كثير من الحالات إلى معادلة مقلوبة، يقف فيها المالك متفرجاً على عقاره، فيما يتصرف غيره وكأنه المالك الحقيقي.
تخيلوا المشهد التالي:
مواطن مقدسي ورث عن والده بيتاً في أحد أحياء القدس. قيمة العقار اليوم قد تصل إلى ملايين الشواقل، لكنه يتلقى عنه أجرة سنوية تكاد لا تكفي لشراء وجبة عائلية متواضعة. يدفع المستأجر بضع دنانير أو مئات الشواقل سنوياً، ويسكن العقار خمسين أو ستين أو سبعين عاماً، بينما يراقب المالك عقاره من بعيد كما يراقب السائح معلماً أثرياً لا يملك حق دخوله.
تمر السنوات، ويكبر الأبناء، وربما الأحفاد أيضاً، ويظل الإيجار على حاله، وكأن الزمن توقف عند لحظة توقيع العقد الأول.
ثم تأتي اللحظة التي ينتظرها المالك لعقود طويلة.
يقول المستأجر أخيراً: “لقد قررت إخلاء العقار.”
وهنا يتنفس المالك الصعداء معتقداً أن معاناته انتهت، لكنه يكتشف أن الفصل الحقيقي من القصة لم يبدأ بعد.
فبدلاً من أن يستعيد عقاره، يجد نفسه جالساً على طاولة مفاوضات أشبه بمزاد علني، ولكن بصورة معكوسة.
المفترض أن يدفع المستأجر لصاحب العقار لقاء الانتفاع الطويل الذي استمر عقوداً، لكن الواقع يقول العكس.
يبدأ السؤال الشهير:
*“كم ستدفع لي حتى أخرج؟”*
وهنا تبدأ الأرقام بالتحليق.
عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف، وأحياناً أكثر.
فالمستأجر الذي دفع مبالغ رمزية طوال ستة أو سبعة عقود يصبح فجأة شريكاً في قيمة العقار، ويغادر حاملاً مبلغاً قد يفوق بأضعاف مضاعفة مجموع ما دفعه طوال فترة استئجاره.
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن العقار عند استرداده لا يكون في كثير من الأحيان صالحاً للاستعمال المباشر.
أسقف متصدعة، تمديدات متهالكة، جدران متآكلة، بنية تحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل كاملة.
فيكتشف المالك أنه لم يدفع فقط “بدل خلو”، بل سيدفع أيضاً فاتورة ترميم قد تصل إلى مئات آلاف الشواقل.
وكأن الرسالة الموجهة إليه تقول:
*“مبروك… لقد اشتريت بيتك مرة أخرى.”*
والسؤال الذي يطرحه كثير من المقدسيين اليوم ليس سؤالاً قانونياً فحسب، بل سؤال أخلاقي واجتماعي وديني أيضاً.
هل من العدالة أن يبقى شخص ينتفع بعقار لعشرات السنين مقابل أجرة رمزية لا تتناسب مع الواقع الاقتصادي؟
وهل من المنطق أن يتحول حق الحماية من وسيلة لحفظ الاستقرار الاجتماعي إلى أداة لإلحاق الضرر بطرف آخر؟
وهل المال الذي يُدفع تحت مسمى “الخلو” في هذه الحالات ينسجم مع مبادئ العدالة التي جاءت بها الشرائع السماوية؟
وهل ما كان يمثل حماية للمستأجر في مرحلة تاريخية معينة ما زال يحقق الغاية ذاتها اليوم، أم أنه أصبح يخلق ظلماً جديداً بحق المالك؟
هذه أسئلة لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد نزاع مالي بين طرفين.
فالقضية تمس مئات العائلات المقدسية، وتمس مفهوم الملكية الخاصة ذاته.
فالملكية ليست مجرد سند محفوظ في دائرة الأراضي، بل هي حق أصيل يفترض أن يتيح لصاحبه الانتفاع بعقاره بصورة معقولة وعادلة.
ولا يمكن تجاهل أن كثيراً من أصحاب العقارات المحمية في القدس باتوا يرددون عبارة مؤلمة:
“ليتنا لم نكن نملك هذا العقار.”
نعم، وصل الحال ببعض الناس إلى تمني عدم امتلاك عقار تبلغ قيمته ملايين الشواقل، لأنهم عاجزون عن الاستفادة منه أو استثماره أو توريثه بصورة عادلة.
إنها مفارقة لا تكاد تصدق.
ففي معظم أنحاء العالم يسعى الإنسان إلى امتلاك العقار باعتباره مصدر أمان واستقرار واستثمار.
أما في بعض حالات الإيجار المحمي، فإن العقار يتحول إلى عبء ثقيل، وإلى قصة انتظار طويلة قد تمتد جيلاً أو جيلين أو ثلاثة.
لقد أصبح بعض مالكي العقارات في القدس يخشون وراثة العقارات المحمية أكثر مما يفرحون بها، فالعقار الذي تساوي قيمته ملايين الشواقل قد لا يدر على صاحبه ما يكفي لتسديد فاتورة صيانته السنوية، بينما يبقى محروماً من حقه الطبيعي في الانتفاع بملكه لعقود طويلة. وهكذا تتحول الثروة على الورق إلى عبء في الواقع، وتصبح الملكية عنواناً للمسؤولية دون أن تكون مصدراً حقيقياً للمنفعة.
ومن باب الإنصاف والأمانة، لا بد من التأكيد أن هذا الحديث لا ينطبق على جميع المستأجرين المحميين. فهناك فئة قليلة ونماذج مقدسية مشرفة ومضيئة لمستأجرين أعادوا العقارات إلى أصحابها دون المطالبة بأي بدل خلو، إيماناً منهم بأن الملكية حق لأصحابها، وأن العلاقات الإنسانية والأخلاقية تسمو أحياناً فوق المكاسب المالية. ورغم أن هذه الحالات أصبحت محدودة ونادرة مقارنة بالواقع السائد، إلا أنها تستحق كل الاحترام والتقدير، لأنها تقدم نموذجاً راقياً للوفاء وحسن الجوار والقيم الأصيلة التي عُرفت بها القدس وأهلها عبر الأجيال.
ولا أحد ينكر أهمية حماية المستأجر ومنع التشرد والاستغلال، فهذه قيم إنسانية نبيلة يجب الحفاظ عليها.
لكن العدالة الحقيقية لا تكون بحماية طرف وإلغاء الآخر.
ولا تكون بمنح حق دائم لطرف على حساب حق أصيل لطرف آخر.
ولا تكون بإنتاج مظلومية جديدة لمعالجة مظلومية قديمة.
لذلك فإن الوقت قد حان لفتح نقاش وطني وقانوني وديني جاد حول واقع الإيجار المحمي في القدس، يشارك فيه القانونيون والاقتصاديون ورجال الدين ومؤسسات المجتمع المدني والجهات الرسمية.
نقاش يبحث عن التوازن بين حق السكن وحق الملكية، وبين العدالة الاجتماعية والعدالة القانونية، وبين حماية الإنسان وصيانة الحقوق.
فالقدس التي تستحق العدالة في قضاياها الكبرى تستحق أيضاً العدالة في تفاصيل حياة أهلها اليومية.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى كثير من مالكي العقارات المحمية يرددون بمرارة:
*“العقار لنا… أما الاستفادة منه فلغيرنا."*
Thu 18 Jun 2026 11:23 am - Jerusalem Time





Share your opinion
الإيجار المحمي في القدس… حين يشتري المالك بيته مرتين