طرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رؤية مغايرة للنظام المالي المعاصر خلال مشاركته في القمة العالمية الثالثة للاقتصاد الإسلامي بإسطنبول. وجاءت هذه الرؤية في ظل تصاعد أزمات الديون العالمية والاختلالات المالية التي تضرب الاقتصادات الكبرى، مما يستدعي البحث عن بدائل أكثر استقراراً.
ولم تقتصر مشاركة أردوغان على الجانب النظري، بل تضمنت إعلاناً لخطوة عملية تمثلت في دمج البنوك التشاركية الحكومية الثلاثة في تركيا ضمن كيان مصرفي واحد. وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز مكانة التمويل الإسلامي داخل البنية الاقتصادية التركية وزيادة قدرته على التأثير.
وشدد الرئيس التركي في كلمته على أن النظام المالي العالمي القائم على الديون والفوائد لم يتعلم الدروس الكافية من أزمة عام 2008. وأشار إلى أن الحلول التي اتبعت سابقاً كانت مجرد مسكنات أدت لتأجيل المشكلة بدلاً من معالجة جذورها العميقة المرتبطة بالربا.
واستشهد أردوغان بأرقام صادمة تعكس حجم الأزمة الدولية، حيث بلغت المديونية العالمية نحو 350 تريليون دولار في الربع الأول من عام 2026. واعتبر أن هذا الرقم يوضح مدى هشاشة النظام المالي الذي يعتمد على الاقتراض لتمويل الاستهلاك وسداد الديون السابقة.
وتشمل عملية الدمج المعلنة ثلاثة مصارف رئيسية هي 'زراعة كاتيليم' و'وقف كاتيليم' و'هالك كاتيليم' لتصبح مؤسسة مصرفية ضخمة. ويسعى هذا التوجه إلى خلق كيان قادر على منافسة البنوك التقليدية الكبرى والاستفادة من وفورات الحجم في السوق المصرفي.
وتشير التقارير إلى أن قطاع التمويل التشاركي في تركيا شهد نمواً ملحوظاً، حيث قفزت حصته من أصول القطاع المصرفي إلى 9.5%. ورغم أن هذه النسبة لا تزال دون الطموحات، إلا أنها تعكس اتجاهاً تصاعدياً مستمراً في الاعتماد على الصيرفة الإسلامية.
ويرى مراقبون أن قرار الدمج يهدف لتجاوز مشكلة التشتت التي تعاني منها المؤسسات المالية الإسلامية عادةً بسبب صغر أحجامها. فتوحيد الموارد والخبرات تحت مظلة واحدة يمنح المؤسسة الجديدة قدرة أكبر على تطوير المنتجات واستقطاب شرائح أوسع من العملاء.
الفائدة أو الربا ليست مجرد أداة مالية، بل هي سبب رئيس في فقدان البركة وازدياد الظلم والاستغلال داخل الاقتصاد العالمي.
ومع ذلك، يظل نجاح هذه التجربة مرهوناً بقدرتها على تقديم نموذج تمويلي يختلف جوهرياً عن البنوك التقليدية في الجوهر لا في المظهر فقط. فالتحدي يكمن في تطبيق فلسفة المشاركة في الربح والخسارة وربط التمويل بالنشاط الإنتاجي الحقيقي.
ويؤكد خبراء أن المصارف التشاركية بحاجة للخروج من ضيق عقود المرابحة إلى سعة عقود المشاركات الاستثمارية. هذا التحول هو ما سيجعلها بدلاً حقيقياً يحقق العدالة والكفاءة الاقتصادية التي ينشدها منظرو الاقتصاد الإسلامي في المنطقة.
وتواجه التجربة التركية اختباراً مهماً يتعلق بمدى مواءمة السياسات النقدية العامة مع طبيعة عمل المصارف التشاركية. فطالما ظل النظام المالي العام مرتبطاً بأسعار الفائدة، ستظل هذه المصارف تعمل في بيئة تتأثر بتقلبات السوق التقليدي بشكل مباشر.
إن تطوير الاقتصاد الإسلامي يتطلب رؤية شاملة تتجاوز مجرد دمج المؤسسات المصرفية لتشمل إصلاح الأسواق المالية وأدوات الاستثمار. فالهدف النهائي هو بناء منظومة اقتصادية كلية تعتمد على الاستقرار والاستدامة بعيداً عن تقلبات الديون المفرطة.
ما جرى في إسطنبول يحمل دلالة سياسية واقتصادية مهمة، حيث انتقل الحديث عن الاقتصاد الإسلامي من قاعات الندوات إلى الواقع المؤسسي. وتعد تركيا اليوم من أبرز الدول التي تتخذ خطوات عملية لتعزيز حضور هذا النموذج في هيكلها المالي.
قد لا يكون دمج البنوك التشاركية نهاية المطاف في خطة التحول الاقتصادي التركي، لكنه يمثل حجر زاوية في بناء نموذج مستقل. وتراقب الأوساط المالية الدولية مدى قدرة هذا الكيان الجديد على الصمود أمام الأزمات المالية المتكررة التي تضرب العالم.
يبقى السؤال الجوهري حول قدرة تركيا على تحويل هذه الإجراءات إلى نموذج اقتصادي متكامل يثبت جدوى التمويل القائم على العدالة. فالسنوات المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الخيار سيحقق الاستقرار المنشود ويصبح قدوة للدول الناشئة الأخرى.





Share your opinion
تركيا تدمج بنوكها التشاركية في كيان واحد لتعزيز الاقتصاد الإسلامي