سادت حالة من الصدمة والحزن بين طلاب شهادة الثانوية العامة في سوريا عقب انتهاء امتحان مادة الرياضيات، حيث سُجلت حالات إغماء وتوتر عصبي أمام المراكز الامتحانية. وطالب أهالي الطلاب بضرورة إقالة وزير التربية، محمد تركو، وإقرار دورة تكميلية لتعويض ما وصفوه بـ'التعجيز' في صياغة الأسئلة التي تجاوزت قدرات الطالب المتوسط.
من جانبه، دافع وزير التربية عن النموذج الامتحاني خلال جولاته الميدانية، مؤكداً أن الأسئلة وضعت لتفرز مستويات التفوق. وأوضح أن الوزارة اعتمدت توزيعاً بنسبة 50% للأسئلة السهلة و25% للمتوسطة، بينما خُصصت النسبة المتبقية للطلاب المتميزين، مشيراً إلى أن العودة للنماذج التقليدية بدلاً من المؤتمتة جاءت لإنصاف الطلاب.
وفي سياق الإحصاءات الرسمية، أفادت مصادر بأن عدد المتقدمين لشهادة التعليم الأساسي تجاوز 450 ألف طالب، بينما تقدم للثانوية العامة بفروعها المختلفة أكثر من 368 ألف طالب. وتوزع طلاب الثانوية بين الفرعين العلمي والأدبي، بالإضافة إلى الآلاف في التعليم المهني والشرعي في مختلف المحافظات السورية.
وشهدت محافظة السويداء أزمة إضافية تمثلت في حرمان نحو 13 ألف طالب من تقديم امتحاناتهم للشهادتين الأساسية والثانوية. وجاء ذلك نتيجة رفض القوى المحلية المسيطرة على المحافظة السماح للطلاب بالتوجه إلى المراكز التي حددتها الحكومة في ريف دمشق، مبررة ذلك بمخاوف أمنية على سلامة الطلبة.
وتصاعد الجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي حول وجود نموذجين مختلفين للامتحانات، أحدهما للمحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة والآخر لمحافظة إدلب وريف حلب. وأشار مختصون إلى أن أسئلة إدلب كانت أكثر سهولة ووضوحاً، مما أثار اتهامات بوجود محاباة تعليمية أو تسييس للعملية التربوية.
ورداً على هذه الاتهامات، أكد جمال شحود، رئيس مكتب التربية والتعليم في إدلب أن المنهاج المعتمد في مناطقهم يختلف جذرياً عن منهاج النظام الحالي. وأوضح أن إدلب حافظت على المنهاج السوري القديم الذي كان معتمداً قبل عام 2011 مع إجراء تعديلات شملت حذف الرموز السياسية المرتبطة بالنظام السابق.
وأضاف شحود في تصريحات صحفية أن حكومة الإنقاذ طالبت بدورة امتحانية استثنائية وفق المنهاج القديم لضمان عدم ضياع مستقبل الطلاب الذين درسوا عليه لسنوات. وأشار إلى أن الموافقة الرسمية شملت إدلب وريف حلب الشمالي، مع منح الطالب حرية الاختيار بين المنهاجين القديم والحديث.
النجاح سهل لكن التفوق صعب، والأسئلة صُممت وفق معايير دقيقة تراعي الفروق الفردية بين الطلاب.
ونفى المسؤول التعليمي في إدلب أن تكون الأسئلة في منطقته قد اتسمت بالسهولة المفرطة، مؤكداً أن الشكاوى من صعوبة الرياضيات وُجدت أيضاً بين طلاب إدلب. واعتبر أن الانتقادات الموجهة للمنطقة تندرج ضمن حملة ممنهجة تهدف إلى 'شيطنة' إدلب وتصويرها كمركز نفوذ جديد يشبه 'القرداحة'.
وحذرت هناء برقاوي، الباحثة في علم الاجتماع بجامعة دمشق، من الآثار النفسية العميقة التي تتركها الأسئلة التعجيزية على الطلاب. وقالت إن حالات الانهيار والبكاء داخل القاعات تؤدي إلى تشتت انتباه الطلاب الآخرين، مما قد ينعكس سلباً على أدائهم في المواد المتبقية من الجدول الامتحاني.
وشددت برقاوي على ضرورة تدخل الجهات العليا لإصدار مرسوم يقضي بمنح الطلاب دورة تكميلية خاصة بمادة الرياضيات لتخفيف الضغط النفسي والاجتماعي. وأشارت إلى أن الخوف من رد فعل الأسرة وضياع المستقبل الدراسي يشكل عبئاً يفوق طاقة الطلاب في هذه المرحلة العمرية الحرجة.
بدوره، اعتبر الباحث الاجتماعي عبد الحميد السويس أن الغاية من الامتحان يجب أن تكون قياس الكفاءة العلمية لا ممارسة 'العقوبة' بحق الطلاب. وأوضح أن ما حدث في امتحان الرياضيات تجاوز حدود التقييم الأكاديمي ليصل إلى مرحلة تهديد الصحة النفسية للعائلات السورية بأكملها.
ودعا السويس المؤسسات التعليمية إلى فتح حوار مستمر مع أولياء الأمور والخبراء التربويين لتطوير معايير وضع الأسئلة. وأكد أن غياب التوازن في التقييم يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، ويحول العملية التعليمية من وسيلة للبناء إلى أداة تعجيزية تنفر الأجيال القادمة من التحصيل العلمي.
وعلى الصعيد الميداني، تداولت مصادر محلية مقاطع فيديو تظهر تباين الآراء بين الطلاب، حيث حاولت وسائل الإعلام الرسمية تصدير صورة إيجابية عبر مقابلات منتقاة. إلا أن المشاهد المسربة من محيط المدارس أظهرت واقعاً مغايراً يتسم باليأس والمطالبة بإصلاحات جذرية في المنظومة التربوية.
وتبقى أزمة الامتحانات في سوريا مرآة للانقسام الجغرافي والسياسي الذي تعيشه البلاد، حيث تداخلت المناهج التعليمية مع الصراعات الميدانية. ويترقب آلاف الطلاب الآن قرارات وزارة التربية بشأن إمكانية إعادة النظر في توزيع الدرجات أو منح فرصة ثانية لتجاوز عثرة الرياضيات.





Share your opinion
أزمة امتحان الرياضيات في سوريا: غضب طلابي واتهامات بـ'التمييز' تلاحق وزارة التربية