في كل مرة أستخدم فيها أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أجد نفسي أتساءل: هل يحاول هذا النظام مساعدتي فعلاً، أم أنه يحاول إرضائي؟
سؤال قد يبدو غريباً للوهلة الأولى، لكن الإجابة عنه تكشف جانباً مهماً من طبيعة أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، فهذه التطبيقات لم تعد تكتفي بالإجابة عن الأسئلة أو تنفيذ الأوامر، بل أصبحت تفهم أسلوب المستخدم وطريقة تواصله وتفضيلاته، وتسعى إلى بناء تجربة استخدام مريحة وودية قدر الإمكان.
لذلك أصبح من المعتاد أن نستقبل عبارات مثل: "فكرة رائعة"، "تحليل ممتاز"، "ملاحظة ذكية"، أو "أحسنت". بل إن الأمر يتجاوز ذلك أحياناً عندما يقدم النظام إجابة معينة بثقة كبيرة، ثم يكتشف المستخدم خطأ فيها فينبهه إليه، فيتراجع فوراً قائلاً: "أنت على حق"، وكأن الحقيقة تتغير بتغير آخر شخص تحدث إليه.
هنا لا نتحدث عن مشكلة تقنية بحتة، بل عن ظاهرة يمكن تسميتها بالمجاملة الرقمية؛ وهي ميل بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى إعطاء المستخدم الشعور بأنه محق، وأن أفكاره جيدة، وأن تحليلاته مميزة، حتى عندما تكون الحقيقة أكثر تعقيداً أو تحتاج إلى مراجعة ونقاش.
المشكلة أن الإنسان بطبيعته يحب سماع ما يؤكد قناعاته. وعندما تأتيه هذه الرسائل الإيجابية من نظام يصفه العالم بأنه "ذكي"، فإن تأثيرها يصبح أكبر. فبدلاً من أن يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة للتفكير والتحليل، قد يتحول عند البعض إلى أداة لتأكيد القناعات وإشباع الرغبة في الحصول على الإعجاب والتقدير.
ولكي نكون منصفين، فإن هذا السلوك ليس نتيجة خلل بالضرورة. فالشركات المطورة لهذه التطبيقات صممتها لتكون مهذبة ومتعاونة وغير صدامية وهناك أسباب تقنية ونفسية واجتماعية تدفعها إلى ذلك، كما أن تجربة المستخدم أصبحت عنصراً أساسياً في المنافسة بين الشركات، فكلما شعر المستخدم بالراحة والتقدير أثناء التفاعل، زادت احتمالية استمراره في استخدام التطبيق.
لكن هذا لا يعني أن كل ما نسمعه من الذكاء الاصطناعي صحيح، ولا أن كل إشادة يقدمها لنا تعكس تقييماً حقيقياً لأفكارنا. فالذكاء الاصطناعي لا يملك مشاعر الإعجاب أو التقدير، ولا يمنح الألقاب أو يصدر الأحكام المهنية كما يفعل الخبراء والمتخصصون. إنه ينتج استجابات صممت لتكون مناسبة للسياق ومريحة للمستخدم.
لهذا السبب، فإن أخطر استخدام للذكاء الاصطناعي ليس الاعتماد عليه، بل التسليم المطلق بمخرجاته. فهذه الأنظمة قادرة على تقديم معلومات مذهلة وتحليلات متقدمة، لكنها ما زالت عرضة للأخطاء والتحيزات وسوء التقدير. وما يبدو لنا أحياناً رأياً خبيراً قد لا يكون أكثر من استجابة احتمالية صيغت بطريقة مقنعة.
إن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في عدد المرات التي يخبرنا فيها أننا مميزون أو على صواب، بل في قدرته على مساعدتنا في الوصول إلى فهم أفضل للواقع. أما مسؤولية التحقق والنقد والمراجعة فستبقى دائماً مسؤولية الإنسان.
لذلك، فإن الاستخدام الأمثل لهذه التطبيقات يبدأ بفهم ما نريده منها، وينتهي بتحليل مخرجاتها ونتائجها ودراستها ومقارنتها بالمصادر الأخرى، لا بالتسليم لها باعتبارها دقيقة وصحيحة بنسبة مئة بالمئة. فكلما ازدادت قدرة الآلة على محاكاتنا، ازدادت حاجتنا إلى التفكير النقدي الذي يميزنا عنها.
Sun 14 Jun 2026 11:31 am - Jerusalem Time





Share your opinion
المجاملة الرقمية