إن التعليم في فلسطين لم يكن يوما مجرد إجراء بيروقراطي، أو ترف تقني يُدار بعقلية توفير النفقات؛ إننا نتحدث عن وطن يمثل فيه الوعي خط الدفاع الأول. وحين تكون البلاد مواجهة مستمرة مع محاولات التجهيل وتجريف الهوية، يصبح التعليم هو ذلك النور الذي له قامة، والمكلف تاريخيا بشق مدى العتمة العمياء التي يراد فرضها على أعماق وعي الأجيال حلم المستقبل ومحل الرجاء. إن أي إجراء إداري غير مدروس ينعكس على استقرار المنظومة التعليمية أو أمنها التقييمي، هو مساس مباشر ببيئة الصمود الوطني وسلب للتعليم من بعده السيادي التحرري والتنموي.
إن المرتكز الفكري لأي بناء تربوي في سياقنا النضالي يجب أن ينطلق من تحرير العقل وبناء لاهوت التحرر الفكري، لا إدخال الطلبة في متاهات تقنية جافة تفرغ المباحث من قيمتها الروحية والوجدانية، وتحول المدارس من محاضن لبناء الإنسان إلى مصانع لإنتاج إجابات آلية معلبة.
وأمام هذا المعنى، نجد أن القرار المفاجئ الذي جاء على حين غرة بالاعتماد الحصري على اختبار إلكتروني مباغت، مكون من (50) فقرة اختيار من متعدد لمادة التربية الدينية لطلبة الصف الثاني عشر، يمثل تراجعا خطيرا يصيب روح المنظومة التقويمية في مقتل.
إن اختزال مبحث قيمي وروحي كالتربية الدينية في قوالب صماء يعجز تماما عن قياس مهارات التفكير العليا أو الاستنباط الأخلاقي للطالب. نحن هنا لا نقيس وعيا، بل نرفع معامل التخمين العشوائي ونفتح الباب للّبس اللغوي في البدائل، مما يطيح بصدق المحتوى. والخطورة هنا بعيدة المدى؛ فالجيل الذي يتربى على ثنائية الإجابة الواحدة المطلقة المبرمجة سلفا. تضعف مناعته الفكرية، ويصبح أكثر قابلية مستقبلا لتبني الأفكار الإقصائية التي ترفض نقاش المسلمات، في حين أننا بأمس الحاجة إلى عقول حرة قادرة على الاستدلال.
أما الادعاء المسبق بأن الاختبار سيكون بمستوى متوسط من الصعوبة فهو وهم إحصائي ولا يستند للمنطق العلمي والأكاديمي؛ إذ يخضع بناء الامتحانات في الفكر التربوي الأصيل لمواصفات الاختبار الجيد التي تُشتق هندستها وفق الأصول العلمية، ويعلم المشتغلون بالقياس والتقويم كبديهية راسخة أن مؤشر الصعوبة وقدرة الاختبار التمييزية لا تُخمن بالنيات الإدارية، بل تُحسب بعد تجريب الأسئلة على عينة استكشافية وتحليلها بعديا لضمان توزيعها وفق المنحنى الطبيعي للاعتدال.
هذا الإجراء يقحم التكنولوجيا كغاية إدارية جافة لتوفير نفقات التصحيح البشري والطباعة، مضحيا بالعدالة الفنية وتكافؤ الفرص من أجل الوفر المالي. ولعل مكمن الألم هو استغلال المواد ذات الوزن النسبي المنخفض لتكون حقل تجارب لبيئتها المنخفضة المخاطر الاجتماعية، تجنبا للمواد الأثقل كاللغة العربية خشية الارتدادات القانونية عند أي تعثر تقني، وهو تبرير واهٍ يمس برمزية المادة الروحية.
وينعكس هذا المشهد تعسفا نفسيا يصطدم مع مبدأ التقويم بلا مفاجآت، حيث يجد الطالب نفسه في المنعطف الأخير مجبرا على مواجهة صدمة تغيير القواعد، ما يشتت ذهنه بين الرهبة التقنية لعدم استقرار المنصة الإلكترونية، وبين استدعاء المفاهيم من مخزونه المعرفي ليوظفها في الاستجابة، ليتحول الامتحان إلى مقياس للثبات الانفعالي بدلا من التحصيل الفعلي.
وحتى لو حاولت الإدارة التربوية تبرير هذا التوجه بالاستناد إلى وجود اختبارات دولية معيارية مؤتمتة تحظى بمصداقية عالية، فإن وجه المقارنة هنا يبدو غائبا ومضللا؛ إذ إن تلك الاختبارات العالمية تُعدها وتديرها مؤسسات مستقلة من خارج وزارات التربية والتعليم مما يمنحها موثوقية وفصلا للسلطات، ومع ذلك، فهي لا تُشكل أبدا المصدر الوحيد والنهائي للقبول في الجامعات، بل هي جزء من منظومة تقييم متعددة العناصر والمصادر.
بينما تزداد الخطورة في الحالة الفلسطينية بكون امتحان الثانوية العامة هو المعيار الحصري والوحيد بنسبة 100% للقبول الجامعي. وفي منظومة تنافسية شرسة يحسم فيها العُشر الواحد مصير الطالب ومستقبله الأكاديمي، فإن رهن هذه العلامة المصيرية بمتغيرات تقنية مباغتة وغير مجربة يعد مجازفة خطيرة تهدد عدالة الفرز، وتخلق تمايزا طبقيا وغير عادل بين الطلبة بناء على استقرار أجهزتهم وجودة شبكات اتصالهم، مما يصيب السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي في صميمه.
وعليه، لا نناهض التطوير، بل نراه ضرورة وطنية ملحة، متمسكين بأن يكون صنيعة للتخطيط لا للمباغتة؛ إذ إن أي تحديث حقيقي لنظام الثانوية العامة لا بد أن يستند إلى أسس علمية رصينة، تنتقل بنا من النمط التقليدي للتقويم إلى نظام التقويم الشامل الذي تتعدد فيه أدوات القياس وأنماطه؛ بما يحاكي المعايير العالمية في الجودة، ويصون في الوقت ذاته الخصوصية والرمزية الوطنية الفلسطينية. وما قرار الأتمتة المباغت في توقيته وآليته إلا قفزة في المجهول، تأخذ الميدان على عجلٍ وفي غفلةٍ من الزمن المتاح، تفرض العودة إلى جادة الصواب التربوي قبل فوات الأوان.
خارطة الإنقاذ: نحو انتصار للعدالة والاستقرار التربوي
إن التراجع عن هذا القرار أو إعادة النظر فيه لدورة هذا العام ليس نكوصا إداريا، بل هو حكمة وقوة، وانتصار حقيقي لمنطق الحوار التشاركي، وحماية لأبنائنا وصونا لحق هذه الأرض الذي يدق باب السماء طاهرا وعادلا.
ومن هنا، نتوجه بهذه الدعوة المخلصة والمسؤولة إلى صناع القرار باتخاذ الخطوات الإجرائية التالية: التجميد الفوري والمباشر لقرار الأتمتة المباغت لمادة التربية الدينية لهذه الدورة، والالتزام بالنمط التقويمي التقليدي المستقر الذي شيد الطلبة تحصيلهم عليه طوال العام، صونا لأمنهم النفسي والمعرفي. وإطلاق حوار وطني تربوي موسع تشارك فيه القوى الأكاديمية، والخبراء، ومؤسسات المجتمع المدني، والميدان التربوي، وذوو العلاقة، يهدف إلى صياغة استراتيجية وطنية متكاملة ومدروسة للتحول الرقمي في التقييم، ترتكز على فلسفتنا التعليمية التحررية والتنموية. إضافة إلى اشتراط الجاهزية التقنية الشاملة وتأمين البنية التحتية في المدارس كافة كمتطلب سابق لأي نظام تقييمي إلكتروني، لضمان تكافؤ الفرص المطلق بين جميع الطلبة قبل ربط مصائرهم الأكاديمية بالمنصات، ترسيخاً لمبدأ أن النجاح والتميز حقٌ للجميع.
دعونا نصن مؤسستنا التعليمية بوصفها حصنا للأمان، ونحافظ على هذا الجيل الذي يعلق عليه الوطن آماله الكبرى في التحرر والنهوض الوطني.
Sun 14 Jun 2026 11:30 am - Jerusalem Time





Share your opinion
عولمة التقييم المباغت وأثرها على الهوية التربوية