Sun 14 Jun 2026 10:02 am - Jerusalem Time

كأس العالم.. كأس العجب


لم يكن المشهد الافتتاحي لكأس العالم في المكسيك وكندا وأمريكا بالمستوى الذي توقعه كثيرون لهذا الحدث الكروي، الذي لطالما اعتُبر بالنسبة للبشرية قاطبة الحدث الأكثر شعبية حول العالم. فبينما اعتادت الجماهير أن ترى المدرجات مكتظة منذ اللحظة الأولى لانطلاق حفل الافتتاح، بدا المشهد هذه المرة مختلفاً جداً عن ما قدمته الدوحة قبلهم؛ مقاعد فارغة على مدّ البصر وجماهير حانقة لارتفاع أثمان التذاكر، حتى بات الغياب بمثابة اللاعب رقم 12 في البطولة.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن هذا الغياب الفاقع لجماهير الكرة لم يكن أمراً عارضاً، بل بدا انعكاساً واضحاً ومباشراً لسياسات العناد التي انتهجتها الفيفا في إجراءاتها الجديدة التي طالت مناحِ عديدة بما فيها الأسعار الفلكية للتذاكر، وهو ما جعل من حضور المباريات حلماً بعيد المنال لدى شرائح واسعة من المشجعين. وبذلك تحولت الرياضة الأكثر شعبية إلى رياضة أشبه برياضة البولو المقتصرة على جمهور الأثرياء، فيما أصبحت المناسبة التي يفترض أن تكون احتفالاً بالعدالة الإنسانية الجامعة، إلى حدث يقترب أكثر من النخبوية ومواطن الثراء، بعيداً عن نبض الجمهور الكروي بكامل مشاربه وشرائحه الاجتماعية.
ولعل من المقلق أكثر عدم وقوف المشهد عند حدود المدرجات، بل وصوله إلى سلب اللعبة عدالتها وحياديتها المنشودتين، خاصة مع تفعيل أمريكا تحديداً لإجراءات الحجب والمنع لتطال عدداً من اللاعبين والحكام وممثلي الاتحادات الدولية خاصة، ضمن سياسة إقصائية بوليسية صارمة اخترقت مواثيق الـ "فيفا"، ليرافقها استجوابات مطولة بحق الشرائح المذكورة، إضافة إلى إجراءات تفتيش للجميع وُصفت بالمهينة والمذّلة، وهو ما بدد صورة التنظيم وعدالته المعهودة، وفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول مدى انسجام القيم الرياضية مع واقع الممارسة على الأرض.
في خضم هذه الأجواء، جاء انقطاع خدمات "ميتا" في اليوم الثاني من البطولة ليضيف بعداً آخر من الارتباك، خاصة وسط عالم بات يتنفس إنترنت وإعلام اجتماعي وذكاء اصطناعي. هذا الحال إنما غيّب التفاعل اللحظي مع المباريات، وقدرة المحظوظين ممن دخلوا الملاعب على نقل الصور والتفاعل عبر المنصات الرقمية. الغياب الرقمي العالمي إنما خلق تطوراً مفاجئاً، أجهض روح التفاعل العالمية التي باتت في عالم الإنترنت والتواصل اللحظي، جزءاً أصيلاً من أي حدث كروي كبير.
أما المشهد الدولي، فلم يكن أحسن حالاً رغم تصريحات دونالد ترامب بقرب انتهاء الحرب على إيران تمهيداً لانطلاق كأس العالم، مما يعني سرعة فسح المجال أمام ترتيب وإنجاز حدث تاريخي محوري يستهوي قلوب البشر وعقولهم بعيداً عن التأثير والتخريب. لكن استمرار الحرب ورغم زعم الرئيس الأمريكي بقرب توقيع اتفاق إنهائها، إنما أبقى على نيران التوترات الإقليمية مشتعلة، وما يرافقها من أوجاع سياسية وإعلامية، ألقت بظلالها الثقيلة على البطولة، رغم محاولات التهدئة والتصريحات المتفائلة كما أسلفت، والتي تحدثت عن تفاهمات أو انفراجات قريبة. لقد بات من الواضح أن كرة القدم وكما يبدو إنما لم تعد قادرة على الانفصال التام عن جغرافيا السياسة وتقلباتها.
وبين كل هذه العناصر المتداخلة -من مقاعد فارغة، إلى إجراءات سفر معقدة، وتعطل المنصات الرقمية، مروراً بسرقة مقتنيات فريق إنجلترا بما يشمل أحذية اللاعبين ومعدات تدريبهم، وصولاً إلى عالم مضطرب خارج أسوار الملاعب- يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل نحن أمام نسخة استثنائية من كأس العالم، أم أمام تجربة تكشف حتى تاريخه، فشل فكرة تنظيم البطولة في أكثر من دولة وسط عالم يزداد تعقيداً؟
الإجابة لا تزال أمامنا في الملاعب، ومكاتب الفيفا، وعند مجلس إدارتها، رغم عدم تفاؤلي بفعل المؤشرات الأولى التي أوحت بأن هذه النسخة، حتى الآن، أقرب إلى "كأس العجب" منها إلى كأس العالم. للحديث بقية!

[email protected]

Tags

Share your opinion

كأس العالم.. كأس العجب

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.