عادت الاستثمارات الإماراتية لتتصدر المشهد الاقتصادي في مصر بقوة، مركزةً هذه المرة على قطاع الطاقة الحيوي الذي يمس حياة أكثر من 109 ملايين مواطن. وتأتي هذه التحركات في وقت حساس يعاني فيه الاقتصاد المصري من أزمات هيكلية وضغوط متزايدة لتوفير النقد الأجنبي وسداد الالتزامات الدولية.
شهد الأسبوع الماضي إتمام صفقتين استراتيجيتين، حيث استحوذت شركة 'أركيوس إنرجي' الإماراتية، التابعة لمجموعة 'أدنوك'، على خمسة امتيازات بحرية للغاز الطبيعي في البحر المتوسط كانت مملوكة لشركة 'بي بي' البريطانية. وتمنح هذه الصفقة الجانب الإماراتي نفوذاً مباشراً في مناطق إنتاج كبرى، من بينها حصة في حقل 'ظهر' العملاق وامتياز 'شمال دمياط'.
في سياق متصل، أبرمت شركة 'ألكازار إنرجي' الإماراتية اتفاقية مع هيئة الطاقة المتجددة المصرية بقيمة 420 مليون دولار، تمنحها حق إدارة وتشغيل محطة 'رياح جبل الزيت' لمدة 25 عاماً. وتعد هذه المحطة الأكبر من نوعها في القارة الأفريقية، حيث تبلغ قدرتها الإجمالية نحو 580 ميجاوات من الكهرباء النظيفة.
أثارت صفقة 'جبل الزيت' موجة من الانتقادات والجدل الشعبي، نظراً للفارق بين قيمة الصفقة وتكلفة إنشاء المحطة التي بلغت نحو 580 مليون دولار عند افتتاحها في عام 2018. ويرى مراقبون أن بيع حق التشغيل بأسعار تقل عن تكلفة التأسيس يثير تساؤلات حول عدالة التقييم الاقتصادي للأصول السيادية.
تتضمن الاتفاقية التزام الشركة المصرية لنقل الكهرباء بشراء كامل الإنتاج بسعر تعريفة يبلغ 3 سنتات لكل كيلووات/ساعة، على أن يتم السداد بالدولار الأمريكي للجزء الأكبر منه. هذا الشرط أثار مخاوف من استنزاف إضافي للعملة الصعبة في وقت تسعى فيه الدولة لتقليل الاعتماد على النقد الأجنبي في المعاملات المحلية.
من جانبه، صرح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بأن عوائد هذه الصفقة ستوجه مباشرة إلى وزارة المالية للمساهمة في خفض الدين الخارجي للبلاد. وأشار مدبولي إلى وجود فوائد أخرى تشمل حق انتفاع الأرض والتزام المستثمر الإماراتي برفع كفاءة التوربينات وتطوير المشروع تقنياً.
يرى خبراء أن التوسع الإماراتي في قطاع الطاقة المتجددة، من مجمع 'بنبان' للشمسية إلى مزارع الرياح في خليج السويس والزعفرانة، قد يؤدي إلى حالة من الاحتكار الفعلي لهذا القطاع الاستراتيجي. وتعمل الشركات الإماراتية حالياً على مشاريع ضخمة تهدف لتزويد ملايين المنازل المصرية بالطاقة عبر استثمارات بمليارات الدولارات.
الاستثمار في الطاقة لم يعد مجرد قرار اقتصادي؛ بل أصبح أداة من أدوات النفوذ الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
أفادت مصادر بأن شركة 'دراغون أويل' الإماراتية تخطط لضخ ملياري دولار إضافية في قطاع النفط والغاز المصري خلال السنوات الخمس المقبلة. وتهدف الشركة من خلال هذه الاستثمارات إلى رفع معدلات إنتاجها اليومي ليصل إلى 200 ألف برميل بحلول عام 2030، مما يعزز حضورها كلاعب رئيسي في السوق المحلي.
يربط محللون بين توقيت هذه الصفقات وتعثر خطة الطروحات الحكومية المصرية، والتي شهدت مؤخراً تأجيل طرح بنك القاهرة نتيجة الاضطرابات الإقليمية. ويبدو أن الحكومة المصرية تجد في صفقات الطاقة السريعة مخرجاً لتأمين السيولة اللازمة لمواجهة استحقاقات الديون العاجلة وتوفير شحنات الغاز للصيف.
يشير باحثون في العلاقات الدولية إلى أن هذه التحركات تعكس إعادة رسم لخريطة النفوذ الاقتصادي في منطقة شرق المتوسط. فبينما تسعى القاهرة لتخفيف ضغوطها المالية، تتحرك أبوظبي نحو القطاعات المرتبطة بالأمن الطاقوي لضمان عوائد استراتيجية طويلة الأجل تتجاوز مجرد الربح المالي المباشر.
تظل قضية الشفافية في تقييم الأصول هي المحور الأساسي للجدل الدائر، حيث يطالب مختصون بضرورة الإفصاح الكامل عن شروط التعاقد وأسس التسعير. ويؤكد هؤلاء أن غياب الوضوح يفتح الباب أمام التكهنات بشأن مدى تغليب الحاجة للنقد الأجنبي على المصلحة الوطنية العليا في حماية الأصول الاستراتيجية.
على الصعيد التقني، يرى البعض أن دخول الشريك الإماراتي قد يسهم في نقل تكنولوجيا حديثة وتطوير المحطات التي تعاني من تراجع الكفاءة. ومع ذلك، يظل التحدي في موازنة هذه الفوائد التقنية مع التكاليف الاقتصادية والسياسية المترتبة على خصخصة إدارة قطاع حيوي كالكهرباء والغاز.
حذر ناشطون وصحفيون من مغبة الاعتماد المفرط على بيع الأصول والشركات الناجحة لسد عجز الموازنة، واصفين ذلك بـ 'تأجيل الأزمة لا حلها'. ويرى هؤلاء أن التفريط في مرافق الدولة الاستراتيجية قد يترك الأجيال القادمة بلا موارد حقيقية وبلا سيطرة على مفاصل الأمن القومي الأساسية.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً حول قدرة الدولة المصرية على تحويل هذه الاستثمارات إلى شراكات تنموية حقيقية ومستدامة. فهل ستنجح القاهرة في حماية أمنها الطاقوي، أم أن ضغوط الديون ستجعلها تكتفي ببيع 'الوقت' مقابل السيولة النقدية العاجلة في ظل مشهد إقليمي شديد التعقيد؟





Share your opinion
توسع إماراتي استراتيجي في قطاع الطاقة المصري: صفقات كبرى تثير تساؤلات الجدوى والسيادة