عادت قضية الحجاب والمظهر العام للمرأة في الجزائر لتتصدر واجهة النقاش العمومي، إثر سلسلة من الأحداث التي ربطت بين المظهر الشخصي والعمل السياسي والإداري. وأثار ظهور وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، صورية مولوجي، دون غطاء الرأس الذي اعتادت الظهور به، موجة من التفاعلات المتباينة على منصات التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض.
جاء هذا التغيير في مظهر الوزيرة خلال إشرافها على حفل تكريم رسمي لإطارات سامية بمقر الوزارة، وهو نشاط بروتوكولي تحول إلى مادة دسمة للنقاش بعد نشر الصور الرسمية. وانقسم المتابعون بين من اعتبر الخطوة تدخل في إطار الحرية الشخصية والتركيز على الكفاءة، وبين من رصد التحول في الصورة النمطية للمسؤولة الحكومية.
الوزيرة مولوجي، التي تنحدر من خلفية أكاديمية وتحمل دكتوراه في الأنثروبولوجيا، كانت قد شغلت منصب وزيرة الثقافة قبل انتقالها لقطاع التضامن. ورغم حدة النقاش، إلا أن قطاعاً واسعاً من المعلقين دعا إلى تقييم أداء المسؤولين بناءً على السياسات العمومية والنتائج المحققة ميدانياً بعيداً عن التفاصيل الشكلية.
ولم يتوقف الجدل عند حدود الحكومة، بل امتد إلى الحقل السياسي مع انطلاق التحضيرات للانتخابات التشريعية، حيث برزت ظاهرة ترشيح نساء غير محجبات ضمن قوائم أحزاب ذات مرجعية إسلامية. واعتبر مراقبون أن هذه الخطوة تعكس رغبة في الانفتاح وتوسيع القواعد الانتخابية لاستقطاب شرائح مجتمعية متنوعة.
حركة البناء الوطني كانت في قلب هذا النقاش بعد ضمها لمترشحات غير محجبات، وهي خطوة أثارت تساؤلات حول مدى التزام الأحزاب بمرجعياتها الفكرية مقابل متطلبات المنافسة السياسية. ويرى أكاديميون أن هذا التوجه قد يمثل مرونة تنظيمية تهدف إلى تجاوز القوالب التقليدية التي ميزت العمل الحزبي الإسلامي لسنوات.
وفي سياق متصل، أثارت تصريحات الأكاديمية خولة طالب الإبراهيمي، حفيدة العلامة البشير الإبراهيمي، تفاعلاً كبيراً بعد حديثها عن مفهوم الحجاب. وأشارت الإبراهيمي إلى أن الحجاب يتجاوز الشكل الظاهري ليرتبط بمنظومة القيم والسلوك، وهو ما فتح باباً جديداً للقراءات الفكرية حول الهوية والدين.
وعلى الجانب الآخر من المشهد الانتخابي، ظهرت مفارقة لافتة في قوائم حزب جبهة القوى الاشتراكية ذي التوجه العلماني، حيث غابت صور بعض المرشحات عن الملصقات الدعائية. وأثار هذا الغياب تساؤلات حول تأثير العادات الاجتماعية المحافظة في بعض المناطق على شكل الحضور السياسي للمرأة.
الحجاب مفهوم أوسع من مجرد الغطاء الظاهر للرأس، وقد يرتبط بسلوك الإنسان وقيمه الداخلية.
انتقد صحفيون ومتابعون ظاهرة 'المرشحات بلا وجه'، معتبرين أن العمل السياسي يتطلب بناء علاقة ثقة بصرية ومباشرة مع الناخبين. وتساءلت مصادر إعلامية عن الجدوى من الترشح لمنصب عمومي في ظل الامتناع عن الظهور العلني، ومدى توافق ذلك مع روح القوانين الانتخابية المعمول بها.
التساؤلات القانونية شملت أيضاً دور السلطات المستقلة للانتخابات في تنظيم عملية الدعاية البصرية وضمان شفافية التعريف بالمترشحين. ويرى قانونيون أن غياب الضوابط الواضحة في هذا الشأن قد يفتح المجال لاجتهادات تختلف من منطقة إلى أخرى بناءً على الخصوصيات الاجتماعية.
الأكاديمي سليمان ناصر طرح تساؤلاً حول ما إذا كان ترشيح غير المحجبات في الأحزاب الإسلامية يعد تخلياً عن المبادئ أم مجرد تكتيك انتخابي. وأشار إلى أن هذه الظاهرة قد تسبب نوعاً من الاغتراب لدى القواعد النضالية القديمة التي ارتبطت بالحزب بناءً على هويته المحافظة الصارمة.
من جهة أخرى، استشهد متابعون بتجارب سياسية مشابهة في دول مثل تونس وتركيا، حيث استوعبت الأحزاب الإسلامية كفاءات نسائية غير محجبة دون الصدام مع المرجعية. واعتبروا أن النضج السياسي يقتضي الفصل بين القناعات الإيمانية الفردية والبرامج السياسية التي تخدم الصالح العام للمواطنين.
تعكس هذه النقاشات حالة من الحراك الفكري داخل المجتمع الجزائري، الذي يحاول التوفيق بين الأصالة ومتطلبات الحداثة في الفضاء العام. وتظهر ردود الفعل المتباينة أن قضية المرأة لا تزال تشكل حجر الزاوية في صياغة التوازنات السياسية والاجتماعية في البلاد.
وفي ظل هذا التباين، يبرز تيار ينادي بضرورة تجاوز 'النقاشات الهامشية' والتركيز على التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الجزائر. ويؤكد أصحاب هذا الطرح أن معيار النزاهة والكفاءة يجب أن يتقدم على أي اعتبارات أخرى تتعلق باللباس أو المظهر الخارجي للمسؤولين.
ختاماً، تبقى هذه الظواهر مؤشراً على تحولات عميقة في بنية الأحزاب السياسية الجزائرية وطريقة تعاطيها مع الشارع. وسواء كانت هذه التحولات ناتجة عن قناعات فكرية جديدة أو ضرورة انتخابية، فإنها تضع المجتمع أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الهوية والتمثيل في المؤسسات التشريعية.





Share your opinion
جدل الحجاب والهوية يتصدر المشهد السياسي في الجزائر: وزيرة تظهر دون غطاء رأس وأحزاب إسلامية ترشح غير محجبات