Thu 11 Jun 2026 10:43 am - Jerusalem Time

إيران بين وعود الثورة وأزمات الشرعية: قراءة في كتاب 'الثورة المسروقة'

يسلط كتاب 'الثورة المسروقة: الخيانة والأمل في إيران الحديثة' الضوء على مسار التحولات العميقة التي عصفت بإيران منذ سقوط نظام الشاه وحتى اللحظة الراهنة. ويقدم المؤلفان بُزرجمهر شرف الدين ويغانه تربتي رؤية متوازنة تحاول فهم كيف تحولت أحلام العدالة والاستقلال التي رفعت عام 1979 إلى واقع سياسي معقد يواجه تحديات بنيوية.

تعتبر مصادر صحفية أن أهمية هذا العمل تكمن في قدرته على تقديم سردية إنسانية تتجاوز التحليلات السياسية الجافة، حيث يتتبع الكتاب حياة ست شخصيات إيرانية من خلفيات متنوعة. هذا الأسلوب سمح برصد التغيرات في المزاج الشعبي الإيراني عبر الأجيال، وكيفية انتقال الآمال من الإصلاح السياسي إلى المطالبة بالحريات الفردية الشاملة.

يشير الكتاب بوضوح إلى أن الثورة الإيرانية نجحت في بدايتها بتوحيد أطياف مجتمعية متباينة ضد التبعية للخارج، إلا أن القيادة التي تسلمت زمام الأمور اتجهت نحو احتكار السلطة. ويرى المؤلفان أن هذا المسار أدى تدريجياً إلى تهميش القوى المدنية لصالح المؤسسات الأمنية والعسكرية التي باتت تسيطر على مفاصل الدولة والاقتصاد.

ويحتل الحرس الثوري مساحة واسعة في التحليل، حيث يصفه الكتاب بأنه تحول من قوة حماية للثورة إلى إمبراطورية اقتصادية وسياسية عابرة للقطاعات. هذا التغول المؤسساتي ساهم في تعميق الفجوة بين النظام والطبقات الشعبية التي كانت تشكل تاريخياً القاعدة الصلبة للجمهورية الإسلامية.

يتوقف العمل عند محطات مفصلية مثل عهد الرئيس محمد خاتمي، حيث برزت آمال عريضة بإمكانية الإصلاح من داخل بنية النظام. غير أن إجهاض تلك التجربة أدى إلى حالة من الإحباط العام، تجلت بوضوح في احتجاجات عامي 2005 و2009 التي شككت في نزاهة العملية الديمقراطية برمتها.

ويرصد المؤلفان تحولاً نوعياً في طبيعة الاحتجاجات الإيرانية خلال العقدين الأخيرين، إذ لم تعد تقتصر على النخب المثقفة في طهران. فقد انخرطت فئات من العمال والشباب وحتى المتدينين في موجات التظاهر، مما يعكس تآكلاً في العقد الاجتماعي الذي قام عليه النظام بعد الثورة.

تبرز احتجاجات 'المرأة، الحياة، الحرية' التي اندلعت عام 2022 كذروة لهذا الصراع القيمي والسياسي، حيث يصفها الكتاب بأنها الحركة الأوسع انتشاراً وجرأة. هذه الحركة لم ترفع مطالب اقتصادية فحسب، بل ركزت على الحق في اختيار نمط الحياة ورفض الوصاية الأيديولوجية المفروضة منذ عقود.

يؤكد الكتاب على أن هذه الموجات الاحتجاجية هي نتاج تراكمات داخلية محضة، رافضاً التفسيرات التي تعزوها فقط إلى تدخلات خارجية. فكل جيل من المحتجين الإيرانيين استوعب دروس الإخفاقات السابقة، وطور أدواته في مواجهة أدوات القمع والسيطرة التي يمتلكها النظام.

وفي فصل لافت، يتطرق الكتاب إلى أحداث عام 2025، مشيراً إلى الضربات الإسرائيلية التي استهدفت العمق الإيراني وتأثيرها على الجبهة الداخلية. هذه الأحداث وضعت المواطن الإيراني في صراع بين مشاعر الانتماء الوطني والرغبة الملحة في تغيير النهج السياسي الذي قاد البلاد إلى المواجهة.

رغم القيمة التوثيقية للكتاب، إلا أن نقاداً يرون أنه يتبنى وجهة نظر المعارضة بشكل أساسي، مما قد يضعف من شمولية تحليله. فهو يركز بشكل مكثف على مظاهر الفشل والقمع، دون أن يقدم إجابات كافية حول سر بقاء النظام وصموده أمام الضغوط الدولية الهائلة.

وتشير القراءات النقدية إلى أن الكتاب أغفل تحليل مصادر القوة والشرعية التي لا تزال تتمتع بها الدولة الإيرانية لدى قطاعات معينة. فقدرة النظام على تجاوز حرب الثماني سنوات مع العراق، وإعادة بناء مؤسساته تحت الحصار، تظل لغزاً لا يفسره القمع وحده كما يوحي الكتاب.

إن إغفال عوامل الصمود التاريخي وتماسك مؤسسات الدولة في الأزمات الكبرى يجعل السردية ناقصة في جوانبها المنهجية. فالتجربة الإيرانية تتطلب فهماً مزدوجاً يجمع بين تطلعات المجتمع نحو التغيير، وبين قدرة الدولة على تجديد أدوات بقائها في بيئة إقليمية ودولية معادية.

يخلص الكتاب إلى أن الأزمة في إيران هي أزمة شرعية تاريخية بامتياز، حيث فشلت السلطة في مواءمة شعاراتها القديمة مع متطلبات جيل الإنترنت. هذا الجيل بات أكثر اتصالاً بالعالم الخارجي، وأقل استجابة للخطابات الأيديولوجية التي شكلت وعي جيل الثورة الأول.

في الختام، يظل 'الثورة المسروقة' وثيقة هامة لفهم الصراع المستمر حول معنى الحرية والتمثيل السياسي في إيران الحديثة. إنه دراسة في مآلات الثورات عندما تتحول إلى أنظمة مغلقة، وفي قدرة الشعوب على مواصلة الحلم رغم كل الخيبات المتلاحقة.

Tags

Share your opinion

إيران بين وعود الثورة وأزمات الشرعية: قراءة في كتاب 'الثورة المسروقة'

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.