ينعقد اجتماعكم الأول اليوم الخميس بعد انتهاء اعمال المؤتمر الثامن لحركة "فتح" في مرحلة تُعد من أكثر المراحل تعقيداً وخطورة في تاريخ قضيتنا الوطنية، في ظل حرب مستمرة على شعبنا وشعوب المنطقة، ومحاولات متواصلة لتصفية حقوقه الوطنية بل ووجوده، وتصاعد المشروع الاستيطاني الإحلالي، واستمرار حالة الجمود السياسي الذي يكاد يغلق أي أفق جدي نحو الحرية والاستقلال الوطني.
وتزداد خطورة هذه المرحلة في ظل ما يُطرح من تصورات ومشاريع تحت عناوين المعازل الجغرافية الذاتية في الضفة الغربية و"اليوم التالي" في قطاع غزة، والتي تشير تسريبات ومواقف متداولة بشأنها إلى محاولات لإعادة هندسة الواقع السياسي الفلسطيني أو الالتفاف على الولاية السياسية والتمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا في كافة أماكن تواجده، وباعتبارها المفترض بالبيت الوطني الجامع والجبهة الوطنية الواسعة التي تحتاج إلى استنهاض دورها وتجديد مؤسساتها، واستحقاق إجراء الانتخابات المنتظرة للمجلس الوطني الفلسطيني بما يعزز منهج العمل الديمقراطي ومبدأ فصل السلطات والمواطنة والمشاركة الشعبية الواسعة في صناعة القرار.
ويتزامن اجتماعكم الأول مع استمرار سياسات الضم الإحلالي والتوسع الاستيطاني والإرهاب المنظم والتفكيك الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية والقدس، بما يهدد وحدة الأرض والشعب والقضية الفلسطينية، ويفرض على حركة "فتح" وشركائها في الحركة الوطنية الفلسطينية مسؤولية تاريخية في الدفاع عن وحدة التمثيل الوطني وإحياء النظام السياسي الفلسطيني وحماية المشروع التحرري من محاولات التهميش أو التجزئة أو الاحتواء.
إن مواجهة هذه المشاريع لا يمكن أن تقتصر على رفضها أو التحذير منها، بل تستوجب المبادرة إلى بلورة رؤية وطنية جامعة لمستقبل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس باعتبارهم وحدة جغرافية وسياسية واحدة لأرض دولة فلسطين المحتلة، وتحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية التي يتوجب استنهاض دورها، مع ضرورة توضيح العلاقة التكاملية بينها وبين السلطة الوطنية الفلسطينية التي لا يفترض ان تكون بديلا عن المنظمة والمشروع التحرري بل أداة في خدمة ذلك، بما يحصن القرار الوطني المستقل ويمنع فرض ترتيبات أو تصورات تتعارض مع الحقوق الوطنية الفلسطينية.
إن اجتماعكم اليوم لا يمثل مجرد استحقاق تنظيمي اعتيادي، بل يشكل مناسبة وطنية وسياسية لمراجعة الواقع القائم وتقييم التجربة السابقة واستشراف متطلبات المرحلة المقبلة. فالمجلس الثوري، بوصفه الهيئة الرقابية والتشريعية لحركة "فتح"، مطالب بأن يضطلع بدوره الكامل في متابعة تنفيذ الأوراق المقدمة للمؤتمر الثامن، ومساءلة الأداء، والمساهمة في بلورة السياسات الكفيلة باستعادة دور الحركة الريادي في قيادة المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة للتفكير في إطلاق مبادرة سياسية فلسطينية جديدة موجهة إلى المجتمع الدولي وإلى القوى الديمقراطية الحقيقية داخل المجتمع الإسرائيلي رغم قلتها، لا بهدف العودة إلى مسارات تفاوضية أثبتت التجربة محدوديتها وفشلها، بل بهدف كسر حالة الجمود الراهنة وإعادة تعريف جوهر الصراع باعتباره قضية شعب يناضل من أجل الحرية والعدالة وتقرير المصير وانعا، الاحتلال في مواجهة مشروع الأستعمار الاستيطاني.
مبادرة تستند إلى حقوقنا الوطنية الثابتة وسرديتنا التاريخية وإلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتدعو المجتمع الدولي إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها الحقيقية، كما تتوجه إلى المجتمع الإسرائيلي برسالة واضحة مفادها أن الأمن والاستقرار والسلام لا يمكن أن يتحقق عبر القوة وحروب التهجير والتطهير والاستيطان، بل من خلال الإعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال وتجسيد العدالة على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، فإن أي مبادرة سياسية جادة ينبغي أن تنفتح أيضاً على القوى الديمقراطية والتقدمية بما فيها اليهودية المناهضة للصهيونية وللاحتلال والعنصرية والحرب حول العالم، وأن تستثمر ما قد تتيحه الاستحقاقات السياسية المقبلة داخل إسرائيل من فرص لتعزيز الأصوات الداعية إلى السلام العادل والأعتراف بالدولة الفلسطينية كمدخل لإنهاء الاحتلال. كما تكتسب أهمية خاصة دعم الجهود الرامية إلى توحيد صوت أبناء شعبنا في الداخل الفلسطيني وتعزيز حضورهم السياسي والوطني، ودعم التوجهات الساعية إلى توحيد العمل الوطني والقوائم العربية في إطار "القائمة المشتركة" في الانتخابات القادمة، بما يسهم في تعزيز نضالهم في مواجهة اليمين المتطرف والدفاع عن قيم المساواة والعدالة والسلام.
إن نجاح المؤتمر الثامن لن يقاس فقط بما صدر عنه من قرارات أو بما أفرزه من هيئات قيادية جديدة، بل بقدرة الحركة على ترجمة تلك المخرجات إلى سياسات عملية تعيد الثقة إلى قواعدها وإلى شعبنا، وتفتح أفقاً سياسياً ووطنياً جديداً في مواجهة التحديات الراهنة.
فكما كان يُفترض بالمؤتمر الثامن أن يشكل محطة للمراجعة والتقييم والتجديد الشامل لمسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية وحركة "فتح" كعمودها الفقري، لا أن يقتصر دوره على إعادة تشكيل الهيئات القيادية رغم أهمية ذلك، فإن شعبنا وكوادر الحركة وقواعدها التنظيمية ينتظرون اليوم من المجلس الثوري أن يمارس دوره بمسؤولية وشجاعة ثورية، وأن يقف أمام مراجعة جادة لتجربة السنوات الماضية، واستخلاص الدروس والعبر منها حتى لا تكرر الاخطاء، والاقتراب من الأسئلة الكبرى التي فرضتها التحولات العميقة التي شهدتها القضية الفلسطينية والمنطقة والعالم.
إن المراجعة المطلوبة ليست غاية بحد ذاتها، بل مدخل ضروري لصياغة استراتيجية وطنية أكثر قدرة على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية، وحماية مشروعنا الوطني التحرري من مخاطر التهميش أو الاحتواء أو إعادة إنتاج الواقع القائم بمسميات مختلفة. كما أنها تشكل أساساً لتجديد الفعل السياسي الوطني وعدم الاكتفاء بإدارة الأزمات أو التكيف معها، بل العمل على تغيير موازينها قدر الإمكان من خلال الوحدة الوطنية الواسعة وتعزيز صمود شعبنا بسياسات وأدوات فاعلة وواضحة.
فالمرحلة الراهنة تحتاج إلى قيادة تمتلك القدرة على الجمع بين الصمود والمبادرة، وبين التمسك بالثوابت الوطنية والانفتاح على الدول والشعوب والقوى التقدمية والحركات الاجتماعية الدولية الصاعدة في مواجهة الهيمنة الأمريكية ومشاريعها الجارية في المنطقة في محاولة للحفاظ على هيمنتها المتراجعة.
كما تتطلب اعتماد سياسات مقاومة أكثر فاعلية على المستويات السياسية والقانونية والشعبية والدبلوماسية، تعزز مكانة القضية الفلسطينية كمشروع تحرري على الساحة الدولية، بما في ذلك مواصلة ملاحقة مجرمي الحرب أمام محكمة الجنايات الدولية، وإعادة توجيه الجهد الدولي المشترك في إطار الأمم المتحدة والمحافل الدولية والإقليمية والعربية، بما في ذلك المبادرة الفرنسية السعودية، نحو الهدف الأساس المتمثل في الحرية والعدالة والاستقلال وإنهاء الاحتلال أولاً وتجسيد حقوق شعبنا الوطنية غير القابلة للتصرف، انسجاماً مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدأ من القرار ١٨١ الأممي.
إن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقكم اليوم تفرض الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل السياسي المؤثر، ومن انتظار المتغيرات إلى المساهمة في صناعتها، بما يليق بتضحيات شعبنا من الشهداء والأسرى والجرحى والمهجرين، وبالدور التاريخي الذي اضطلعت به حركة "فتح" في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني باستقلالية القرار الوطني، وبما يعيد الاعتبار لهذا المشروع باعتباره مشروع تحرر وطني يسعى إلى الحرية والعدالة والاستقلال.
Thu 11 Jun 2026 10:07 am - Jerusalem Time





Share your opinion
رسالة مفتوحة إلى أعضاء المجلس الثوري لحركة "فتح"