Tue 09 Jun 2026 3:43 pm - Jerusalem Time

فايننشال تايمز: استراتيجية نتنياهو الأمنية تتهاوى وحروبه بلا انتصارات حاسمة

تواجه الرؤية الأمنية التي يتبناها رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، موجة من الانتقادات الحادة في الأوساط الغربية، حيث تزايدت التساؤلات حول جدوى الاستراتيجية التي تعتمد كلياً على القوة العسكرية. وأشارت تقارير صحفية دولية إلى أن هذه السياسة فشلت في تحقيق أمن مستدام، بل أدت إلى تعقيد الموقف الإسرائيلي على جبهات متعددة دون الوصول إلى حسم نهائي.

وذكر الكاتب جدعون رتشمان في تحليل نشرته صحيفة 'فايننشال تايمز' أن الاستراتيجية الكبرى لنتنياهو تبدو اليوم في حالة تعثر واضح، بعد سنوات من الرهان على الحسم العسكري كطريق وحيد لمواجهة الخصوم. ويرى المحللون أن هذا المسار الذي استمر لعقود اصطدم بواقع إقليمي مغاير للحسابات الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بالصراع المباشر مع طهران.

وكانت المواجهة مع إيران تمثل لنتنياهو ذروة طموحاته السياسية، حيث سعى لإقناع الإدارة الأمريكية بأن العمل العسكري الواسع كفيل بإنهاء ما يصفه بالتهديد الوجودي. ورغم شن عمليات عسكرية في فبراير الماضي، إلا أن النتائج جاءت مخيبة للآمال الإسرائيلية، حيث حافظ النظام الإيراني على توازنه وقدرته على الرد الصاروخي المباشر.

وفي السياق ذاته، يبرز التوتر في العلاقة بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي بدأ يمارس ضغوطاً لفرملة التصعيد العسكري في المنطقة. وقد نقلت مصادر إعلامية عن ترامب قوله بوضوح إنه هو صاحب القرار النهائي في السياسات المشتركة، مما يضع القيادة الإسرائيلية في مأزق بين الاستجابة لواشنطن أو الظهور بمظهر الضعف داخلياً.

وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل لا تزال تعتمد بشكل عضوي على الدعم العسكري الأمريكي، مما يجعل الحديث عن استقلال القرار الأمني الإسرائيلي مجرد شعار سياسي يصطدم بالواقع. فبدون منظومات الدفاع الجوي وإمدادات الذخيرة الأمريكية، ستجد إسرائيل نفسها عاجزة عن الاستمرار في حروب استنزاف طويلة الأمد على جبهات غزة ولبنان وإيران.

وعلى الجبهة اللبنانية، يصر نتنياهو على منح جيشه حرية كاملة للعمل ضد حزب الله، وهو ما تسبب في نزوح هائل للمدنيين اللبنانيين وتفاقم الأزمة الإنسانية. ومع ذلك، كشفت مصادر أن ترامب طلب صراحة من نتنياهو تقليص حجم الحملة العسكرية في لبنان، في محاولة لتجنب حرب إقليمية شاملة قد تضر بالمصالح الأمريكية.

أما في قطاع غزة، فقد أدت العمليات العسكرية المستمرة منذ أكتوبر 2023 إلى تآكل شديد في صورة إسرائيل الدولية، ووضعتها في مواجهة قانونية أمام محكمة العدل الدولية. ورغم ادعاءات نتنياهو المتكررة حول 'سحق' قدرات المقاومة، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار قدرة الفصائل الفلسطينية على إدارة المشهد واستنزاف القوات المتوغلة.

ويرى رتشمان أن الخطأ الجوهري في نهج نتنياهو يكمن في تجاهل المسارات السياسية والدبلوماسية والتركيز الحصري على الحلول الأمنية. فالنجاحات التكتيكية المتمثلة في الاغتيالات لم تؤدِ إلى تغيير استراتيجي، بل كانت تؤدي دائماً إلى بروز قيادات جديدة أكثر إصراراً على المواجهة، مما يجعل الأمن الدائم بعيد المنال.

وتشير التقارير إلى أن إيران نجحت في تطوير أدوات ضغط جديدة، من بينها التهديد بإغلاق مضيق هرمز واستهداف المنشآت الحيوية، مما عزز من مستوى الردع لديها. هذا الواقع الجديد يفرض على إسرائيل والولايات المتحدة إعادة تقييم شاملة، خاصة مع وجود مؤشرات على رغبة ترامب في إبرام اتفاقات قد تمنح طهران مكاسب اقتصادية.

وفي الداخل الإسرائيلي، يواجه نتنياهو اتهامات بتوظيف الحروب لترميم مستقبله السياسي وضمان البقاء في السلطة بعيداً عن الملاحقات القضائية. وقد أدى هذا النهج إلى إضعاف النقاش العام، حيث يتم تخوين الأصوات التي تنادي بحلول سياسية، مما يعمق الانقسام المجتمعي حول جدوى الاستمرار في حروب لا تنتهي.

وتؤكد التحليلات أن الرواية الإسرائيلية الرسمية حول تحقيق النصر المطلق تصطدم بحقيقة بقاء حزب الله وحماس كلاعبين رئيسيين في المنطقة. فالتدمير الواسع للبنية التحتية لم يترجم إلى انتصار سياسي، بل زاد من حدة العداء وجعل من الصعب تصور استقرار إقليمي دون معالجة جذور الصراع الفلسطيني.

كما أن التراجع الملحوظ في الدعم الدولي لإسرائيل، حتى داخل الدول الغربية الحليفة، يمثل ضغطاً إضافياً على حكومة اليمين المتطرف. فالمشاهد القادمة من غزة ولبنان أحدثت تحولاً في الرأي العام العالمي، وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على حجم المساعدات والغطاء السياسي الذي تتمتع به تل أبيب في المحافل الدولية.

ومع اقتراب استحقاقات انتخابية محتملة، سيظل ملف الأمن هو المحرك الرئيسي للناخب الإسرائيلي، لكن هذه المرة تحت وطأة الفشل في تحقيق الوعود الكبرى. فالرؤية التي طرحها نتنياهو تعرضت لاختبار قاسٍ أثبت أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها حسم صراعات الهوية والوجود في المنطقة.

ختاماً، يبدو أن 'عصر نتنياهو' الذي قام على فكرة 'الأمن مقابل السلام' يتلاشى أمام واقع الحروب المفتوحة التي لا تحقق نصراً. وبينما يسعى رئيس الوزراء لترميم صورته، تتجه المنطقة نحو ترتيبات جديدة قد لا يكون لنتنياهو فيها الكلمة العليا، خاصة في ظل إدارة أمريكية تسعى لإنهاء الملفات العالقة بأسلوب الصفقات لا الحروب.

Tags

Share your opinion

فايننشال تايمز: استراتيجية نتنياهو الأمنية تتهاوى وحروبه بلا انتصارات حاسمة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.