أنهت الحكومة المصرية رسمياً حقبة 'الدعم العيني' التي استمرت لأكثر من ثمانية عقود، معلنة التحول الكامل نحو 'الدعم النقدي' بدءاً من شهر يوليو المقبل. ويأتي هذا القرار بعد سنوات من التردد الحكومي، حيث اعتبرت الإدارات السابقة هذه الخطوة مخاطرة شعبية غير مأمونة العواقب، إلا أن الإدارة الحالية حسمت أمرها بتنفيذ التوصيات المتكررة لصندوق النقد الدولي.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن قيمة الدعم الجديد ستتراوح ما بين 300 و350 جنيهاً للفرد الواحد، ما يعني أن الأسرة المكونة من أربعة أفراد ستحصل على مبلغ يتراوح بين 1200 و1400 جنيه شهرياً. وتهدف الحكومة من هذه الخطوة إلى معالجة ما تصفه بـ 'عدم الكفاءة' في المنظومة القديمة، خاصة في قطاع الخبز الذي تقدر نسبة الهدر فيه بنحو 25%.
في المقابل، تسود حالة من القلق والترقب بين نحو 68 مليون مصري يستفيدون حالياً من البطاقات التموينية، وسط مخاوف من تآكل القيمة الشرائية للمبالغ المخصصة. ويرى مراقبون أن الارتفاع المستمر في معدلات التضخم وزيادة أسعار الوقود والكهرباء سيجعل من الدعم النقدي رقماً رمزياً لا يلبي الاحتياجات الأساسية للأسرة.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن المعايير الجديدة التي ستعتمدها وزارة التموين قد تؤدي إلى استبعاد ما بين 10 إلى 12 مليون مواطن من كشوف المستحقين. وبدأت الوزارة بالفعل في مطالبة المواطنين بتحديث بيانات الدخل والإنفاق عبر منصة 'مصر الرقمية'، في خطوة تهدف لغربلة البطاقات وتحديد الفئات الأكثر احتياجاً بدقة أكبر.
وأفادت مصادر ميدانية بأن حالة من الغموض تكتنف آليات التطبيق لدى 'بدالي التموين'، حيث لم تصلهم تعليمات واضحة حول كيفية التعامل مع الكروت الذكية الجديدة. كما تبرز تساؤلات حول كيفية تسعير السلع، حيث تشير التوقعات إلى أن الأسعار ستكون 'حرة' وتخضع لتقلبات السوق اليومية، مما يزيد من تعقيد الموقف على المستهلك البسيط.
الخبير الاقتصادي أحمد خزيم يرى أن التحول للدعم النقدي يمثل 'هروباً للدولة من التزاماتها' تجاه الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي تآكلت مدخراتها. وأوضح خزيم أن عمليات طباعة النقد المتتالية ستؤدي حتماً إلى تآكل قيمة الدعم المالي، معتبراً أن جيب المواطن أصبح الهدف الأساسي لتغطية العجز الناتج عن القروض وخدمة الدين.
وتعيد هذه الخطوة إلى الأذهان 'انتفاضة الخبز' عام 1977، عندما حاول الرئيس الأسبق أنور السادات رفع أسعار السلع التموينية تنفيذاً لتوجيهات دولية، لكنه تراجع أمام الغضب الشعبي. كما ظلت هذه القضية 'خطاً أحمر' طوال عهد الرئيس حسني مبارك، الذي اكتفى بتقليص تدريجي لعدد السلع دون المساس بجوهر المنظومة العينية.
الدعم النقدي مهما كانت قيمته فهو عبارة عن إلغاء مقنع، وأي تحريك بسيط في سعر الصرف سيأكل هذا الرقم المخصص للطبقة الفقيرة.
وعلى الصعيد البرلماني، تقدم نواب بطلبات إحاطة لمساءلة الحكومة حول الضمانات التي تمنع تآكل قيمة الدعم بفعل التضخم المتسارع. وتساءل البرلمانيون عن مصير دعم الخبز، الذي يمثل خط الدفاع الأخير لملايين الأسر، وعن المعايير الشفافة التي سيتم بناءً عليها احتساب المبالغ النقدية للمواطنين في ظل غلاء المعيشة.
من جانبها، تروج الحكومة للمشروع الجديد باعتباره وسيلة لوصول الدعم لمستحقيه مباشرة دون وسائط، مؤكدة أن مخصصات السلع التموينية في الموازنة القادمة ستشهد زيادة ملحوظة. وتؤكد المصادر الرسمية أن المنظومة الجديدة ستسمح للمواطن بشراء سلع متنوعة تشمل اللحوم والدواجن لأول مرة عبر البطاقة الذكية.
إلا أن البدالين في المناطق الريفية رصدوا بالفعل بدء عمليات حذف لبعض البطاقات خلال الشهرين الماضيين، شملت المتهمين بسرقة التيار الكهربائي أو مالكي السيارات الحديثة. وتتزايد المخاوف من أن تكون هذه الحالات مجرد مقدمة لعملية 'تطهير' واسعة النطاق للمنظومة التموينية لتقليص عدد المستفيدين إلى أدنى حد ممكن.
وفي سياق متصل، يبرز دور جهات سيادية في المنظومة الجديدة، حيث تم توقيع مذكرات تفاهم لضم آلاف منافذ 'جمعيتي' وبدالي التموين تحت مظلة مشاريع تجارية كبرى. ويرى محللون أن هذا التوجه يهدف إلى إحكام السيطرة على قطاع التجزئة وتوجيه القوة الشرائية للدعم النقدي نحو منافذ تابعة للدولة أو جهات مرتبطة بها.
ويواجه المواطن المصري تحدياً كبيراً في الموازنة بين احتياجاته من السلع الأساسية والخبز في ظل النظام الجديد، حيث أن تكلفة الزيت والسكر والخبز لوحدها قد تتجاوز قيمة الدعم. فعلى سبيل المثال، تحتاج الأسرة المكونة من 4 أفراد إلى كميات من الزيت والسكر تفوق قيمتها المالية ما سيتم تخصيصه في البطاقة النقدية.
ويرى مؤيدو القرار أن المنظومة العينية كانت مرتعاً للفساد والتلاعب من قبل بعض أصحاب المخابز وموردي السلع، وأن التحول للنقدي سيقضي على هذه الظواهر. لكن المعارضين يؤكدون أن علاج الفساد الإداري لا يجب أن يكون على حساب الفقراء، خاصة في ظل غياب الرقابة الصارمة على الأسعار في الأسواق الحرة.
ويبقى التساؤل القائم في الشارع المصري حول مدى قدرة الحكومة على الوفاء بوعودها في مراجعة قيمة الدعم النقدي دورياً لمواكبة التضخم. فالتجارب السابقة مع القرارات الاقتصادية تثير شكوكاً واسعة حول استدامة هذه المساعدات، وسط مخاوف من أن يكون 'الدعم النقدي' هو الخطوة الأخيرة قبل الرفع الكامل للدعم عن كاهل الموازنة العامة.





Share your opinion
مصر تنهي عقوداً من الدعم العيني: مخاوف من إقصاء 12 مليون مواطن مع التحول للنظام النقدي