Mon 08 Jun 2026 6:59 pm - Jerusalem Time

قضية صبري نخنوخ: هل بدأت مصر مواجهة 'بلطجة الكبار' أم أنها تصفية حسابات؟

عادت قضية صبري نخنوخ لتتصدر المشهد الأمني والسياسي في مصر، بعد إعلان السلطات اعتقاله متلبساً بحيازة أسلحة وأدوات تعذيب وآثار. هذا التحرك جاء مدعوماً ببيان رسمي من مكتب النائب العام، مما أثار موجة من الجدل بين مؤيديه الذين حاولوا إضفاء صبغة طائفية أو سياسية على القضية بعيداً عن شقها الجنائي.

ردود الفعل لم تتوقف عند منصات التواصل الاجتماعي، بل امتدت لتشمل تورط شخصيات إعلامية في محاولات لتهريب ممتلكات المتهم. فقد أفادت مصادر أمنية بالقبض على مذيعة تلفزيونية أثناء محاولتها نقل ملكية سيارات فارهة تعود لنخنوخ إلى اسمها الشخصي، في محاولة استباقية لحمايتها من قرارات التحفظ أو المصادرة المتوقعة.

وفي سياق متصل، أثار ظهور أحد كبار رجال الأعمال في مداخلة إعلامية مشيداً برئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، واصفاً إياه بـ 'الأب الروحي لمصر'، تساؤلات حول طبيعة الاستقواء بالخارج. واعتبر مراقبون أن هذه التصريحات في هذا التوقيت تمثل نوعاً من الاحتماء أو الضغط على الدولة المصرية لمواجهة الإجراءات الأمنية المتخذة.

الإجراء الأمني الأخير بحق نخنوخ يفتح ملف العفو الرئاسي المثير للجدل الذي حصل عليه عام 2018. فقد غادر السجن بقرار صحي من الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد قضاء ست سنوات فقط من عقوبة السجن المؤبد، وهو القرار الذي قوبل حينها باستياء شعبي واسع نظراً لخطورة الجرائم المدان بها.

تعددت التفسيرات حول أسباب العفو السابق، حيث أرجعها البعض لنفوذ المال، بينما رآها آخرون نكاية سياسية بخصوم النظام السابقين. ومع ذلك، فإن عودة نخنوخ لممارسة نشاطاته وتأسيس شركات أمن وحراسة كبرى جعلت منه قوة موازية تتمتع بنفوذ واسع في وضح النهار، مما وضع الأجهزة الأمنية في موقف حرج أمام الرأي العام.

ظاهرة 'البلطجة المقننة' في أوساط النخبة المالية والسلطوية أصبحت تشكل تهديداً مباشراً للسلم المجتمعي. فبعد أن كانت البلطجة تقتصر على المناطق العشوائية، تحولت إلى مؤسسات رسمية تحت مسمى شركات الحراسة، مما يعكس تداخلاً خطيراً بين المنظومة الأمنية الرسمية وعناصر جنائية مسجلة خطر.

وتشير تقارير إلى أن الأجهزة الأمنية قد تستعين أحياناً بهؤلاء العناصر في مهام غير رسمية، مثل تأمين الانتخابات أو مواجهة الاحتجاجات. إلا أن حالة نخنوخ تجاوزت هذه الحدود التقليدية، حيث تمكن من بناء إمبراطورية اقتصادية وأمنية جعلته يشعر بالحصانة المطلقة أمام القانون لفترة طويلة.

التحقيقات الحالية لا تقتصر على حيازة السلاح، بل تمتد لتشمل اتهامات خطيرة بغسيل الأموال وشبهات تتعلق بالأمن القومي. وهناك أنباء تتردد عن تورطه في عمليات تهريب أسلحة عبر الموانئ، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية تغاضي مؤسسات الدولة عن هذه الأنشطة طوال السنوات الماضية.

يسود الشارع المصري حالة من الرضا المشوب بالحذر تجاه هذه الاعتقالات، حيث يأمل المواطنون أن تكون بداية لحملة شاملة لتطهير المجتمع. فالخوف من تحول هذه الشخصيات إلى مراكز قوى عسكرية، على غرار نماذج إقليمية في دول الجوار، يمثل هاجساً حقيقياً لدى النخبة والمواطنين على حد سواء.

التعامل مع قضية نخنوخ يتطلب حزماً يتجاوز البعد الجنائي الفردي إلى معالجة ظاهرة استغلال النفوذ وتسييس الإجرام. فمحاولات بعض الفئات صبغ القضية بصبغة دينية أو طائفية تهدف إلى إضعاف هيبة الدولة وعرقلة مسار العدالة، وهو ما يستوجب رداً حاسماً من كافة المؤسسات المعنية.

إن استقرار الدولة المصرية يعتمد بشكل أساسي على سيادة القانون فوق الجميع، بغض النظر عن الثروة أو العلاقات السياسية. وظهور 'بلطجة الكبار' المنظمة يمثل تحدياً وجودياً لمفهوم الدولة الحديثة، خاصة عندما تتقاطع المصالح الإجرامية مع طموحات السلطة أو النفوذ المالي العابر للحدود.

المراقبون يرون أن التركيز الأمني الطويل على الملفات السياسية ربما سمح بنمو هذه الكيانات الإجرامية في الظل. لذا، فإن العودة لفرض الأمن العام وملاحقة الشبكات المنظمة تعد خطوة ضرورية لاستعادة ثقة الشارع في قدرة الدولة على حماية مواطنيها من تغول أصحاب النفوذ.

يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كان اعتقال نخنوخ يمثل تغييراً في الاستراتيجية الأمنية للدولة تجاه حلفائها السابقين من 'غير الرسميين'. فإذا كانت الدولة تسعى فعلياً لتطهير المجتمع، فإن المسار يجب أن يشمل كافة الرؤوس الكبيرة التي تعتقد أنها فوق المساءلة القانونية.

في نهاية المطاف، فإن تجربة السودان وليبيا تظل ماثلة أمام صانع القرار المصري كتحذير من مغبة السماح بنمو ميليشيات أو قوى أمنية موازية. إن حماية الأمن القومي تبدأ من إنهاء ظاهرة 'البلطجة المستأنسة' وضمان أن يكون السلاح والسطوة بيد القانون وحده، بعيداً عن أي حسابات سياسية ضيقة.

Tags

Share your opinion

قضية صبري نخنوخ: هل بدأت مصر مواجهة 'بلطجة الكبار' أم أنها تصفية حسابات؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.