Sat 06 Jun 2026 3:26 pm - Jerusalem Time

من 'دولة منبوذة' إلى صانع سلام: كيف أعادت باكستان صياغة علاقتها مع واشنطن عبر البوابة الإيرانية؟

كشف تقرير تحليلي نشرته مجلة 'نيويوركر' عن تحول جذري في السياسة الخارجية الباكستانية، حيث برزت إسلام آباد كوسيط غير متوقع بين واشنطن وطهران. هذا الدور الجديد يعكس طبيعة الدبلوماسية النفعية والشخصية التي تنتهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية، مما منح باكستان فرصة لإعادة تموضعها دولياً.

بدأت العلاقة المتوترة بين الطرفين منذ عام 2018، حين اتهم ترامب باكستان بتقديم 'الأكاذيب والخداع' رغم تلقيها مليارات الدولارات كمساعدات. وأدى ذلك الموقف حينها إلى قطع المساعدات العسكرية، لكن المشهد تغير كلياً مع حاجة واشنطن لمخرج من أزمتها مع إيران وتأمين استقرار الاقتصاد العالمي.

نجحت باكستان في تحقيق ما عجزت عنه هيئات دولية كبرى، عبر استضافة أول اجتماعات رفيعة المستوى وجهاً لوجه بين مسؤولين إيرانيين وأمريكيين منذ أكثر من عقد. هذا الاختراق الدبلوماسي منح إسلام آباد مصداقية جديدة كشريك أمني ووسيط سلام، متجاوزةً بذلك سنوات من العزلة والاتهامات بدعم الإرهاب.

يرى مراقبون أن باكستان كانت في أمس الحاجة لهذا التحول لتحسين صورتها المتضررة بسبب عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الداخلي. ويقود هذه الجهود المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، الذي استطاع بناء علاقة وثيقة مع ترامب، وصفتها مصادر دبلوماسية بأنها قائمة على فهم عميق لكيفية إرضاء الرئيس الأمريكي.

تاريخياً، اتسمت العلاقات الأمريكية الباكستانية بالتوتر والشك المتبادل، خاصة بعد انسحاب واشنطن من أفغانستان في نهاية الثمانينيات وترك باكستان تواجه تداعيات الحرب وحدها. وتكرر هذا النمط بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث اتهمت واشنطن إسلام آباد بممارسة 'لعبة مزدوجة' عبر دعم حركة طالبان سرياً.

وصلت العلاقات إلى أدنى مستوياتها في عام 2011 عقب عملية اغتيال أسامة بن لادن في مدينة أبوت آباد دون علم السلطات الباكستانية. ورغم ذلك، استمرت العلاقة بدافع الضرورة الاستراتيجية، حيث ظلت باكستان ممراً حيوياً لإمدادات الناتو وبوابة خلفية لمحادثات السلام مع حركة طالبان الأفغانية.

مع عودة ترامب للسلطة، قدمت باكستان 'عربون صداقة' عبر تسليم محمد شريف الله، العقل المدبر لتفجير مطار كابول، وهو ما اعتبره ترامب انتصاراً كبيراً. هذا التعاون الأمني مهد الطريق لاستئناف المساعدات العسكرية التي بلغت نحو 400 مليون دولار، وفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي.

لعبت باكستان ورقة 'صانع السلام' بذكاء في النزاع الحدودي مع الهند، حيث منحت ترامب فرصة لنسب الفضل لنفسه في منع حرب نووية. وذهبت إسلام آباد أبعد من ذلك بترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام، وهي خطوة تهدف لتعزيز الروابط الشخصية مع الرئيس الأمريكي وضمان دعمه المستمر.

خلال لقاءات مطولة في البيت الأبيض، ناقش المشير عاصم منير مع ترامب ملفات معقدة تشمل التوترات الإيرانية الإسرائيلية والتنمية الاقتصادية. ووصف ترامب القائد العسكري الباكستاني بـ 'مشيري المفضل'، مؤكداً أن الباكستانيين يفهمون الشأن الإيراني أكثر من أي طرف آخر في المنطقة.

المكاسب الاقتصادية بدأت تتدفق بالفعل، حيث وقع الجيش الباكستاني اتفاقية بقيمة 500 مليون دولار لاستخراج المعادن مع شركة أمريكية. كما امتد التعاون ليشمل قطاع العملات الرقمية عبر شراكة مع شركة شارك ترامب في تأسيسها، مما يعكس تداخل المصالح السياسية والتجارية في هذه العلاقة.

تعتمد باكستان بشكل حيوي على إنهاء الحرب الإيرانية لضمان تدفق النفط والأسمدة عبر مضيق هرمز وحماية تحويلات عمالها في الخليج. وتعد هذه التحويلات، التي تقدر بـ 38 مليار دولار سنوياً، ركيزة أساسية تمنع انهيار الاقتصاد الباكستاني المثقل بالديون والاضطرابات الداخلية.

تواجه الدبلوماسية الباكستانية تحدياً صعباً في الموازنة بين مطالب واشنطن وطهران ودول الخليج، دون الانحياز لطرف على حساب الآخر. فأي تقارب مفرط مع واشنطن قد يثير غضب الأقلية الشيعية في الداخل، بينما قد يؤدي الانحياز لطهران إلى تضييق الخناق الاقتصادي من قبل دول الخليج.

تبرز قضية التطبيع مع إسرائيل كأحد أكثر الملفات حساسية، حيث حاول ترامب الضغط على إسلام آباد للانضمام لاتفاقيات أبراهام. ويحذر خبراء من أن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تؤدي إلى انفجار سياسي داخلي، نظراً للارتباط الشعبي العميق بالقضية الفلسطينية ورفض التطبيع.

في نهاية المطاف، يستغل الجيش الباكستاني هذا البروز العالمي لتعزيز قبضته على السلطة وتهميش المعارضة الداخلية. ورغم الإشادات الدولية، يبقى الحذر سيد الموقف، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن واشنطن قد تتخلى عن حلفائها بمجرد انتهاء حاجتها الاستراتيجية لهم.

Tags

Share your opinion

من 'دولة منبوذة' إلى صانع سلام: كيف أعادت باكستان صياغة علاقتها مع واشنطن عبر البوابة الإيرانية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.