Tue 02 Jun 2026 8:16 am - Jerusalem Time

من سايكس بيكو إلى بلفور: حين صارت الخريطةُ وعداً وصار الوعدُ نكبةً



في السادس عشر من مايو 1916، لم تكن بريطانيا وفرنسا ترسمان حدود الشرق الأوسط على ورق فحسب، بل كانتا تعيدان اختراع المشرق بوصفه غنيمة سياسية مؤجلة. كانت الحرب العالمية الأولى تلتهم الإمبراطوريات القديمة، وكانت الدولة العثمانية تتراجع، فيما كانت قناة السويس تؤرق لندن كما لو أنها شريان الإمبراطورية الأخير. في تلك اللحظة لم ينظر العقل الاستعماري إلى العرب بوصفهم شعوبا تنتظر حقها في الاستقلال، ولا إلى فلسطين بوصفها وطنا لشعب قائم في أرضه، بل بوصفهما مادة قابلة للتقسيم وساحة قابلة لإعادة الترتيب.

هكذا ولدت سايكس بيكو: لا كاتفاق حدودي فقط، بل كفلسفة استعمارية كاملة. فلسفة ترى أن خرائط النفوذ أصدق من ذاكرة الشعوب، وأن مصير المجتمعات يمكن أن يقرره رجال يجلسون في غرف مغلقة بعيدا عن تراب البلاد وأسماء أهلها. وما إن فتحت هذه الخرائط السرية حتى صار وعد بلفور ممكنا. لم يكن بلفور انحرافا عن سايكس بيكو، بل نتيجتها الأشد قسوة؛ فإذا كانت سايكس بيكو قد جزأت المشرق إلى مناطق نفوذ، فإن بلفور انتزع فلسطين من معناها الوطني والإنساني والتاريخي، وحولها من أرض لشعبها إلى وعد يمنحه من لا يملك لمن لا يستحق.

بين سايكس بيكو ووعد بلفور لا نقف أمام حدثين متجاورين، بل أمام منطق واحد: تحويل المنطقة من فضاء حضاري متصل إلى خرائط نفوذ مجزأة، ومن شعوب تطلب الاستقلال إلى جماعات ممزقة تدار بالوعود والانتداب. لقد كان وعد بلفور ثمرة مرة لشجرة سايكس بيكو؛ الشجرة التي زرعت التقسيم في الأرض، ثم منحت الغريب حقا فوقها، وفتحت قرنا كاملا من الاحتلال، من الانتداب إلى الاستيطان.

لم تكن الخديعة عابرة. ففي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تخاطب الشريف حسين بلغة الاستقلال العربي، كانت تتفاوض سرا مع فرنسا على تقسيم المشرق، وتتقدم في الوقت نفسه نحو الحركة الصهيونية لتمنحها وعدا في فلسطين. هكذا استدعي العرب إلى الحرب باسم التحرر لا باسم الشراكة، واستعملت الثورة العربية أداة لتفكيك الجسد العثماني، لا لتأسيس دولة عربية مستقلة. أما فلسطين، فأخرجت من سياقها الطبيعي ومن علاقتها العضوية بأهلها ومحيطها، لتصبح فضاء مؤجلا لوظيفة استعمارية أكبر: حماية طريق الإمبراطورية، وتثبيت موطئ قدم دائم في قلب المشرق.

والأكثر مأساوية أن العرب لم يخرجوا من عباءة الإمبراطورية إلى فضاء السيادة، بل إلى غرف الانتداب. كانت السلطنة قد شاخت وتحتاج إلى إصلاح عميق، لكن إسقاط الرابطة السياسية القديمة لم يرافقه بناء رابطة جديدة قادرة على حماية الأرض والقرار. لذلك لم يولد الاستقلال الموعود، بل ولدت كيانات تحت الوصاية، وحدود مرسومة بمسطرة الخارج، ودول مبكرة الهشاشة، تحمل جرح النشأة وقلق الشرعية.

ولا يمكن فهم سايكس بيكو وبلفور بعيدا عن الحسابات الجيوسياسية الكبرى. فقد نظر الأوروبيون إلى الدولة العثمانية طويلا بوصفها حاجزا أمام الاندفاع الروسي نحو المياه الدافئة وطرق الهند. دعموها حين كانت سدا نافعا، ثم قرروا وراثتها حين بات سقوطها محتوما. لم يكن الشرق في المخيال الإمبراطوري ذاتا سياسية، بل ممرا وحاجزا وخزانا للموارد ومسرحا للتوازنات الكبرى.

غير أن الخديعة الكبرى لا تكمن فقط في أن بريطانيا وعدت العرب بما لم تف به، بل في أنها أعادت تعريف المنطقة كلها من خلال عدسة استعمارية تعتبر التنوع علة، والمجتمعات الشرقية عاجزة عن إنتاج الدولة، والغرب وصيا طبيعيا على خرائطها. لم تكن هذه القراءة وصفا بريئا، بل أداة حكم؛ فحين يصنف الخارج المجتمع إلى طوائف وقبائل وأقليات، يصبح تدخله ضرورة، وتصبح الحدود المفروضة حلا.

منذ ذلك الحين تحركت أحجار الدومينو. سقوط السلطنة فتح باب الانتداب، والانتداب فتح باب المشروع الصهيوني، والمشروع الصهيوني فتح باب النكبة، والنكبة فتحت باب اللجوء والحروب والانقلابات، والنكسة فتحت باب الاحتلال الطويل، والاحتلال فتح باب الاستيطان بوصفه سياسة يومية. في هذا المسار لم تكن فلسطين هامشا، بل المختبر الأكثر كثافة لفكرة السيطرة: كيف يتحول شعب كامل إلى “مشكلة”، والمحتل إلى طرف أمني، والحق إلى ملف تفاوض بلا نهاية.

أخطر ما في سايكس بيكو أنها لم تنته بانتهاء لحظتها التاريخية، بل تحولت إلى قابلية مستمرة لإعادة الإنتاج. فالمؤامرات الراهنة ليست نسخة كربونية من اتفاق 1916، لكنها تعمل بروحه ذاتها: تفكيك المجال العربي، تحويل الدولة إلى جزر متنازعة، إضعاف الروابط الوطنية، وإعادة بناء المنطقة حول مصالح الخارج لا إرادة شعوبها. الجميع يلعن سايكس بيكو في الخطاب، لكن كثيرا من القوى يمارسها في الواقع حين يقبل بتقسيم المجتمع إلى طوائف ومناطق ومليشيات، وحين يستدعي الخارج ضد الداخل.

بهذا المعنى، لا تبدو حروب اليمن والسودان وليبيا والعراق منفصلة عن سؤال الخرائط. إنها تجليات متأخرة لمنطق سايكس بيكو وقد عاد أكثر شراسة: ليس عبر موظف بريطاني وفرنسي يرسمان الحدود فوق طاولة، بل عبر انهيار الدولة من داخلها، وتعدد الجيوش، وتنازع الشرعيات، وصعود المليشيات، وتحول السيادة إلى سلعة تتقاسمها العواصم الإقليمية والدولية. هنا لا ترسم الخريطة من الخارج وحده، بل من الداخل أيضا، حين تفشل الدولة في احتكار العنف المشروع.

لذلك فإن القول إن سايكس بيكو انتهت قول شديد التبسيط. لقد انتهت كوثيقة، لكنها بقيت كمنهج. بقيت حين تحولت الدولة العربية إلى كيان هش يحرسه نظام مستبد أكثر مما يحرسه عقد اجتماعي. وبقيت حين حمت القوى الكبرى أنظمة قمعية باسم الاستقرار، وهي تعلم أن هذا الاستقرار ليس سوى تجميد مؤقت للانفجار. لقد احتاجت خرائط سايكس بيكو إلى أنظمة قوية على شعوبها وضعيفة أمام الخارج؛ أنظمة تمنع المواطنة، وتؤجل الإصلاح، وتكسر المجتمع المدني، وتحتكر الجيش والقانون والثروة.

من هنا تبدو اللحظة الراهنة امتدادا لذلك التاريخ. فخطابات “الشرق الأوسط الجديد”، ومشاريع إعادة تشكيل المنطقة بالقوة والصفقات والتطبيع، ليست مجرد عناوين سياسية عابرة؛ إنها محاولة لمنح سايكس بيكو حياة جديدة بأدوات مختلفة. لم تعد الخريطة ترسم بالحبر وحده، بل بالصواريخ، والممرات الاقتصادية، وصفقات السلاح، واتفاقات التطبيع. ولم تعد فلسطين وحدها هي المستهدفة، بل معنى المنطقة كلها: أن تصبح إسرائيل مركز النظام، وأن تتحول الدول العربية إلى هوامش أمنية واقتصادية حولها.

تغيرت الأسماء وبقيت البنية. بالأمس: سايكس بيكو، بلفور، الانتداب، الحماية، مناطق النفوذ. واليوم: الشرق الأوسط الجديد، الاتفاقات الإبراهيمية، الممرات الاقتصادية، الأمن الإقليمي، مكافحة الإرهاب، حماية الملاحة، وإعادة هندسة الدولة الوطنية. ليست هذه المفاهيم متطابقة، ولا يجوز اختزالها كلها في مؤامرة واحدة، لكنها تتحرك، في كثير من استعمالاتها، ضمن منطق قديم: ترتيب المنطقة من خارجها، وتكييف خرائطها مع مصالح القوى الكبرى.

غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نحول الخارج إلى قدر مطلق، ولا الداخل إلى ضحية بريئة تماما. فقد نجحت سايكس بيكو لأنها وجدت هشاشة عربية، ونجح بلفور لأنه جاء في لحظة غياب قوة فلسطينية وعربية قادرة على فرض نفسها. وما تزال مخططات اليوم تجد طريقها لأن الدولة العربية ضعيفة، والمجتمع منقسم، والنخب مأخوذة بمصالحها، والقانون مطوع للسلطة، والذاكرة مثقلة بالشعارات أكثر من المؤسسات.

لذلك فإن قراءة سايكس بيكو لا ينبغي أن تتحول إلى مرثية طويلة، بل إلى نقد مزدوج: نقد للاستعمار الذي جزأ، ونقد للذات التي لم تبن قوة تمنع التجزئة من التحول إلى مصير. فليس المطلوب أن نبكي السلطنة العثمانية كما لو كانت فردوسا ضائعا، ولا أن نمجد الثورة العربية كما لو كانت خلاصا محققا، بل أن نفهم مأساة الانتقال: كيف سقط فضاء سياسي قديم قبل أن يولد فضاء عربي حديث؟

في هذا المعنى، تكون فلسطين مرآة المشرق كله. فما حدث لها كان أكثر كثافة مما حدث لغيرها، لكنه ليس منفصلا عنه. هي المكان الذي تجمعت فيه خرائط سايكس بيكو، ووعد بلفور، والانتداب، والاستيطان، وفشل النظام العربي، وتواطؤ القوى الكبرى، وعجز القانون الدولي عن حماية الحق حين يصطدم بالقوة. والفلسطيني لم يفقد وطنه لأنه عجز عن التعدد أو الحداثة، بل لأن قوة استعمارية أعادت تعريف وطنه دون رضاه، ثم حمت مشروعا استيطانيا حول الحق الأصلي إلى عبء تفاوضي.

مواجهة سايكس بيكو الجديدة لا تكون بالشعارات وحدها، بل بإغلاق الشروط التي تمنحها الحياة: بناء دولة مواطنة لا دولة غلبة، جيش وطني لا جيوش متنافسة، قانون لا مزاج حاكم، عدالة انتقالية لا انتقام، ومجتمع مدني قادر على ملء الفراغ بين الدولة والناس. فحين تفشل الدولة في حماية مواطنيها، يأتي الخارج باسم الحماية. وحين تفشل النخب في إنتاج تسوية وطنية، يأتي المبعوث الدولي بخريطة طريق. وحين ينهار العقد الاجتماعي، تعود سايكس بيكو لا بوصفها اتفاقا قديما، بل بوصفها قدرا يوميا يصنعه العجز الداخلي بقدر ما تصنعه الأطماع الخارجية.

من سايكس بيكو إلى بلفور، ومن الانتداب إلى الشرق الأوسط الجديد، يتكرر الدرس القاسي: الجغرافيا التي لا تحرسها قوة تتحول إلى غنيمة، والحق الذي لا تسنده مؤسسة يتحول إلى عاطفة، والذاكرة التي لا تنتج مشروعا تتحول إلى بكاء. الرد الحقيقي على سايكس بيكو ليس تمزيق الخرائط بالكلمات، بل بناء دولة عادلة لا تخاف مواطنيها. والرد الحقيقي على بلفور ليس استعادة اللعنة فقط، بل استعادة فلسطين كقضية حق وسيادة وعدالة. هكذا فقط يمكن أن تتحول الذكرى من طقس حزن إلى بداية وعي، ويمكن أن يتحول الألم إلى مشروع، والذاكرة إلى سياسة، وفلسطين من جرح مفتوح إلى معيار أخلاقي لتحرير المنطقة من قرن كامل من الخديعة.

Tags

Share your opinion

من سايكس بيكو إلى بلفور: حين صارت الخريطةُ وعداً وصار الوعدُ نكبةً

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.