تتصاعد حدة النقاش حول دور من يوصفون بـ 'العلمانيين الجدد'، الذين يرى مراقبون أنهم تحولوا إلى جماعات وظيفية تخدم الأنظمة الاستبدادية بدلاً من تعزيز قيم الدولة المدنية. هؤلاء يستخدمون أسلوب الصدمات الفكرية لإثارة الجدل وسحب الرأي العام بعيداً عن القضايا الجوهرية والأزمات المعيشية التي يعاني منها المجتمع.
إن الإشكالية الكبرى تكمن في أن هذا التيار يفتقر إلى مشروع فكري متماسك، ويعتمد بشكل أساسي على استفزاز العواطف الدينية لدى الجماهير. هذا الاستفزاز يحقق لهم غايتين: لفت الانتباه الشخصي، وتأدية دور مرسوم يخدم السلطة في مواجهة المؤسسات الدينية التقليدية وعلى رأسها الأزهر الشريف.
في ملف 'قانون العبادة الموحد'، ظهرت ازدواجية واضحة في المعايير؛ حيث رُفع الشعار كأداة للضغط، لكنه غاب تماماً عند الحديث عن استقلالية الكنائس أو مساحات الأديرة. هذا التراجع يكشف أن الهدف لم يكن يوماً إرساء قواعد المواطنة المتساوية، بل ممارسة نوع من 'النصب الفكري' باسم الدولة المدنية.
تشير مصادر تحليلية إلى أن المعركة الحالية تتركز حول قانون الأحوال الشخصية، حيث تسعى السلطة لتمريره وفق إملاءات خارجية بعيداً عن رقابة الأزهر. وفي هذا السياق، يتم توظيف بعض الوجوه الإعلامية والمحسوبين على التيار العلماني للتطاول على الرموز الدينية بهدف كسر هيبتها وتسهيل تمرير التشريعات.
من المثير للدهشة أن هؤلاء الذين ينادون بسلطة البرلمان في التشريع، يصمتون تماماً أمام تغييب الإرادة الشعبية وتزوير الانتخابات. فالدولة المدنية الحقيقية تقوم على محاسبة الشعب للحاكم، وهو ما يتجنب العلمانيون الجدد الخوض فيه، مفضلين المعارك الآمنة مع المؤسسات الدينية التي لا تملك سلطة قمعية.
العلمانية في منشئها الأوروبي كانت ثورة ضد استبداد الكنيسة وتحالفها مع الملوك، بينما نجد النسخة المحلية منها تتحالف مع السلطة ضد أي صوت مستقل. إنها علمانية انتقائية تختار معاركها بدقة بحيث لا تتصادم مع مراكز القوى العسكرية أو السياسية التي تدير المشهد.
لقد كشفت مواقف سابقة، مثل قضية تسليم مواطنات للكنيسة بقرارات سيادية، زيف الادعاءات بالدفاع عن حرية الاعتقاد. فلم يطالب أحد من هؤلاء بلجان تقصي حقائق أو يدافع عن حق الفرد في اختيار مساره الديني بعيداً عن سطوة المؤسسات، طالما أن الأمر لا يخدم الأجندة السياسية الحالية.
إن جوهر العلمانية هو رفض الاستبداد، لكن هؤلاء لا يجرؤون على مواجهة الأنظمة القمعية ويفرغون المؤسسات من مضمونها.
إن الحديث عن فصل الدين عن الدولة يتحول في الواقع إلى محاولة لاحتكار السلطة للفهم الديني وتوظيفه لصالحها. النظام الحاكم يسعى لأن يكون المرجعية الوحيدة، ويستخدم 'العلمانيين الجدد' كواجهة لتنفيذ هذا الإقصاء الممنهج للأزهر، رغم أن الدستور يمنحه اختصاصاً أصيلاً في الشؤون الدينية.
تفتقر هذه المجموعات إلى الشجاعة في مواجهة 'الحكم بالحق الإلهي' الذي قد يمارسه بعض الحكام عندما يدعون أن الله وحده هو من يحاسبهم. في الدولة الحديثة، الشعب هو مصدر السلطات وهو من يختار ويعزل، لكن هذا المبدأ يغيب تماماً عن أدبيات العلمانيين الجدد في المنطقة العربية.
المفارقة تظهر أيضاً في الموقف من القوى الدولية؛ حيث تغيب الانتقادات للعلمانية المتشددة التي تدعم الانقلابات العسكرية في القارة السمراء. هذا الصمت يؤكد أن الانتماء لقيم الحرية ليس هو المحرك الأساسي، بل هو البحث عن حضور عام وشهرة مجانية لا تكلف أصحابها صداماً مع أنظمة القمع.
إن تسمية 'عبدة العناوين' تأتي من الانشغال بالشعارات البراقة مثل 'المواطنة' و'الدولة المدنية' دون العمل على تحقيق جوهرها. فالقيمة الحقيقية للمؤسسات تكمن في استقلاليتها وقدرتها على التعبير عن إرادة الناس، وليس في تحويلها إلى هياكل مفرغة تدار بالريموت كنترول.
قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، الذي يتم إعداده في غرف مغلقة، يمثل اختباراً حقيقياً لمفهوم التشريع في الدولة المدنية. فبينما يتم احترام خصوصية القوانين الكنسية للمسيحيين، يُراد فرض رؤية أحادية على المسلمين وتهميش دور علمائهم، وهو ما يكرس الطائفية بدلاً من محاربتها.
في نهاية المطاف، تظل المعركة الحقيقية هي معركة الحرية ضد الاستبداد، وهي معركة لا يبدو أن العلمانيين الجدد طرف فيها. إنهم يفضلون البقاء في منطقة 'النضال المجاني'، حيث الهجوم على التراث والدين يضمن لهم البقاء في المشهد الإعلامي دون التعرض لمضايقات أمنية.
إن بناء دولة مدنية حديثة يتطلب نقاشاً حقيقياً وعميقاً يحترم هوية المجتمع ويسعى لتمكين المواطن من حقوقه السياسية والمدنية. أما الاكتفاء بـ 'فرقعات' إعلامية وصدمات كهربائية، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام المجتمعي وتكريس سلطة الفرد على حساب المؤسسات والقانون.





Share your opinion
العلمانيون الجدد في ميزان النقد: أدوار وظيفية أم نضال من أجل الدولة المدنية؟