دون نادي باريس سان جيرمان الفرنسي فصلاً جديداً في تاريخ الكرة الأوروبية، بعدما نجح في الحفاظ على لقب دوري أبطال أوروبا للعام الثاني على التوالي. وجاء هذا الإنجاز عقب فوز مثير على أرسنال الإنجليزي بركلات الترجيح، ليؤكد النادي الباريسي سطوته القارية التي بدأت ملامحها تتشكل منذ انتقال ملكيته للجانب القطري.
سلط هذا التتويج الضوء على الثنائية الناجحة بين رئيس النادي ناصر الخليفي والمدرب الإسباني لويس إنريكي. حيث تمكن الأخير من إحداث ثورة حقيقية في فلسفة النادي، منتقلاً به من سياسة استقطاب النجوم الفردية إلى بناء منظومة جماعية صلبة أثبتت نجاعتها في المواعيد الكبرى.
بدأت رحلة ناصر الخليفي، المولود في الدوحة عام 1973، بعيداً عن صخب كرة القدم، حيث كان لاعباً محترفاً في رياضة التنس ومثّل بلاده في بطولة كأس ديفيز. هذا الخلفية الرياضية، مدعومة بدراسة الاقتصاد، مهدت الطريق أمامه ليتولى قيادة مشاريع رياضية كبرى غيرت وجه الاستثمار الرياضي في المنطقة والعالم.
يعتبر عام 2011 نقطة التحول الجوهرية في تاريخ النادي الفرنسي، حين استحوذت شركة قطر للاستثمارات الرياضية على الحصة المسيطرة فيه. في ذلك الوقت، كان الفريق يعاني من اضطرابات إدارية ومالية حادة، ويفتقد لأي حضور مؤثر في المسابقات الأوروبية رغم كونه ممثل العاصمة الفرنسية.
لم تكن عملية إعادة البناء مقتصرة على جلب اللاعبين فحسب، بل شملت ثورة في البنية التحتية والهوية التجارية للنادي. وأكد الخليفي في مناسبات عدة أن الشراكة مع علامة 'جوردن' كانت قراراً استراتيجياً فتح أبواب الأسواق الأمريكية والصينية أمام النادي، محولاً إياه إلى علامة تجارية تتجاوز حدود الملاعب.
خلال العقد الأول من الملكية القطرية، ركزت الاستراتيجية على ضم أسماء رنانة مثل زلاتان إبراهيموفيتش ونيمار وكيليان مبابي وليونيل ميسي. ورغم أن هذه السياسة رفعت القيمة السوقية للنادي وحققت سيطرة محلية مطلقة، إلا أن حلم دوري الأبطال ظل مستعصياً لسنوات طويلة تخللتها إخفاقات قاسية.
استذكر الخليفي في تقارير إعلامية حديثاً دار بينه وبين كارل هاينز رومينيغه، الرئيس التنفيذي السابق لبايرن ميونخ، عقب خسارة نهائي 2020. حيث أخبره رومينيغه أن الفوز باللقب سيأتي في الوقت الذي لا يتوقعه أحد، وهو ما تحقق فعلياً بعد رحيل كبار النجوم والاعتماد على روح الفريق.
ستفوز بدوري الأبطال في السنة التي لا تتوقع فيها الفوز.
مع وصول لويس إنريكي في عام 2023، بدأت ملامح 'باريس الجديد' في الظهور، حيث اعتمد المدرب على الضغط العالي والانضباط التكتيكي الصارم. وشهدت هذه المرحلة بروز جيل شاب يقوده وارن زاير إيمري وبرادلي باركولا، مدعومين بخبرات لاعبين مثل أشرف حكيمي وماركينيوس.
يرى الخليفي أن إنريكي لم يكتفِ ببناء فريق بطل، بل ساهم في تغيير مفاهيم تكتيكية حديثة دفعت مدربين في الدوري الإنجليزي لمتابعة أسلوبه. وأوضح أن الفارق الجوهري حالياً هو أن الفريق لم يعد يلعب من أجل 'النجم الأوحد'، بل أصبح منظومة متكاملة تضع مصلحة المجموعة فوق كل اعتبار.
تشير الأرقام إلى قفزة هائلة في سجل بطولات النادي، حيث كان يمتلك 17 لقباً فقط منذ تأسيسه عام 1970، ليرتفع هذا الرقم إلى أكثر من 40 بطولة في عهد الإدارة الحالية. هذا التطور يعكس حجم الاستثمار ليس فقط في الفريق الأول، بل في الأكاديميات التي باتت مصنعاً للمواهب العالمية.
إلى جانب رئاسته للنادي، يمتلك الخليفي نفوذاً واسعاً في المؤسسات الرياضية الدولية، حيث يرأس مجموعة 'بي إن' الإعلامية ورابطة الأندية الأوروبية. كما توسعت الاستثمارات لتشمل حصصاً في أندية أخرى مثل براغا البرتغالي، ضمن رؤية تهدف لتعزيز الحضور القطري في صناعة الرياضة.
رغم هذه النجاحات، لم تكن مسيرة الخليفي خالية من التحديات القانونية والجدل الإعلامي في القارة العجوز. فقد واجه تحقيقات مطولة بشأن حقوق بث البطولات العالمية، لكنه حصل على البراءة من السلطات السويسرية، مؤكداً دائماً أن هذه القضايا تندرج ضمن صراعات النفوذ الرياضي.
تظل قضية رجل الأعمال الطيب بن عبد الرحمن من الملفات التي أثارت ضجة إعلامية، حيث وجه اتهامات لمسؤولين قطريين بالاحتجاز التعسفي. وينفي الخليفي وفريقه القانوني هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، معتبرين أنها محاولات للابتزاز وتشويه سمعة المشروع الرياضي الناجح.
اليوم، يقف باريس سان جيرمان على قمة الهرم الكروي الأوروبي، معززاً بمستثمرين جدد مثل صندوق 'أركتوس' الأمريكي. هذا الدخول الاستثماري الجديد يؤكد أن قيمة النادي أصبحت مرتبطة بالمؤسسة وكيانها القوي، وليس بمجرد وجود لاعبين نجوم في صفوفها، مما يضمن استدامة النجاح لسنوات قادمة.





Share your opinion
من ملاعب التنس إلى زعامة أوروبا.. كيف أعاد ناصر الخليفي صياغة تاريخ باريس سان جيرمان؟