Tue 26 May 2026 4:02 pm - Jerusalem Time

أوجلان وأكراد سوريا.. قراءة في جدلية 'الأب الروحي' والإنكار التاريخي

غالباً ما تتستر الشعارات السياسية البراقة خلف وجوه أكثر قتامة، ويبرز هنا اسم عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، الذي يُنظر إليه كأب روحي لمشروع 'الأمة الديمقراطية'. ومع ذلك، يكشف تفكيك خطابه تجاه أكراد سوريا عن حقيقة صادمة، حيث يظهر كمنكر لوجودهم التاريخي ومستثمر لمعاناتهم في صفقات سياسية معقدة.

تعود جذور هذا الموقف إلى الأسس الفكرية للحزب التي تأسست عام 1978، والقائمة على محاربة التيار الكردي المحافظ والتقليدي. أوجلان سعى لاستبدال النماذج العشائرية والدينية بنموذج يساري علماني، محملاً القيادات التاريخية مثل الشيخ سعيد بيران مسؤولية فشل الحركات الكردية السابقة.

بالنسبة لأوجلان، كان الأكراد السوريون يمثلون عبئاً مزدوجاً، فهم في نظره نتاج موجات لجوء أعقبت فشل انتفاضات كردستان تركيا. هذا التصور جعلهم في عقله مجرد 'لاجئين' يفتقرون للأصالة الجغرافية، مما سهل عليه استخدامهم كوقود لمشروعه الخاص بعيداً عن تطلعاتهم الوطنية المحلية.

تجسدت هذه النظرة الفوقية في حواراته الموثقة بوضوح، حيث أعلن صراحة أن الغالبية الكردية في سوريا نزحت من الشمال التركي هرباً من الاستبداد العثماني. وبذلك، جرد أوجلان هذا المجتمع من صفة 'الأصالة'، محولاً إياهم إلى أقلية طارئة لا تملك حق تقرير المصير في الجغرافيا السورية.

هذا المحو المعرفي لم يكن مجرد تنظير فكري، بل تحول إلى ممارسة سياسية تجلت في التحالف المشبوه مع نظام حافظ الأسد. فقد فتحت دمشق أبوابها لأوجلان في ذروة صراعها مع المعارضة الداخلية في أوائل الثمانينيات، مما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه المقايضة.

بينما كان أوجلان يتمتع بالرعاية الأمنية في دمشق ومعسكرات البقاع اللبناني، كان أكراد سوريا يواجهون أبشع أنواع القمع الثقافي والسياسي. فقد منعت الأجهزة الأمنية السورية التحدث باللغة الكردية أو الاحتفال بالأعياد القومية، في مفارقة عجيبة بين حماية الزعيم وسحق أتباعه المفترضين.

لم يكن صمت أوجلان عن انتهاكات النظام السوري مجرد حياد سياسي، بل كان ثمناً مدفوعاً للبقاء آمناً ومحمياً. لقد طوع أيديولوجيته لتخدم رواية النظام، مقدماً غطاءً فكرياً يصادر حق الأكراد السوريين في أي خطاب قومي يهدد وحدة الدولة السورية المركزية.

في كتابه 'مانيفستو الحضارة الديمقراطية'، اعتبر أوجلان الدولة القومية أصلاً للعدوان، وهو ما وفر ذريعة للنظام السوري لتهميش المطالب القومية الكردية. هذه الرؤية حولت الشباب الكرد إلى أدوات في مشروع عابر للحدود، بينما ظل حليفه في دمشق مرتاحاً لغياب التهديد الانفصالي.

لقد عمّد هذا التحالف شقاقاً قومياً مزمناً بين العرب والأكراد في سوريا، وهو إرث مسموم لا تزال البلاد تعاني من تبعاته حتى اليوم. أوجلان لم يكن مجرد مراقب، بل كان شريكاً في هندسة هذا الانقسام الذي انفجر في المنعطفات السياسية الكبرى.

المفارقة العبثية تظهر اليوم في مناطق 'الإدارة الذاتية' بشمال شرق سوريا، حيث تُقدس القوى العسكرية والسياسية هناك شخصية أوجلان. هؤلاء الأتباع يتبنون أفكار رجل أنكر وجودهم التاريخي في تلك الأرض واعتبرهم مجرد جماعات لاجئة طارئة.

إن قصة أوجلان مع أكراد سوريا هي شهادة على خيانة مزدوجة، بدأت بإنكار الهوية وانتهت بالصمت على القمع الممنهج. لقد دفع الأكراد السوريون ثمناً باهظاً من دمائهم وحقوقهم لضمان استمرار نفوذ 'الأب الروحي' في صراعاته الإقليمية.

هذا الإرث من المقايضة الرخيصة بين البعث وحزب العمال الكردستاني ترك جروحاً غائرة في النسيج المجتمعي السوري. فالسياسات التي نُهجت في الثمانينيات والتسعينيات أسست لواقع معقد يصعب تجاوزه دون مواجهة هذه الحقائق التاريخية المرة.

يبقى التساؤل قائماً حول كيفية استمرار تقديس هذه الرموز في ظل الوثائق التي تثبت تلاعبها بالمصير القومي من أجل مكاسب تنظيمية. إن مراجعة هذه الحقبة ضرورية لفهم جذور الصراع الحالي وتفكيك الألغام التي زرعها الحليفان القديمان.

في الختام، يظل التاريخ شاهداً على أن التحالفات المبنية على حساب الشعوب لا تنتج إلا مزيداً من الهوان والتمزق. وأكراد سوريا، الذين كانوا ضحية لإنكار أوجلان وقمع الأسد، لا يزالون يكابدون سموم هذا الإرث الذي كُتب بالدم والصفقات السرية.

Tags

Share your opinion

أوجلان وأكراد سوريا.. قراءة في جدلية 'الأب الروحي' والإنكار التاريخي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.