Tue 26 May 2026 12:03 pm - Jerusalem Time

متطلبات المرحلة القادمة بعد المؤتمر الثامن لحركة "فتح"

جاء انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في واحدة من أخطر اللحظات التاريخية التي يمر بها الشعب الفلسطيني منذ عقود طويلة، ليس فقط بسبب حجم العدوان الإسرائيلي المفتوح على قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، وإنما أيضاً بسبب التحولات العميقة التي بدأت تضرب صورة إسرائيل السياسية والأخلاقية في العالم، بعد أن تحولت جرائم الاحتلال إلى مشهد يومي موثق بالصوت والصورة أمام الرأي العام الدولي.

لقد دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة تختلف جذرياً عما سبقها. فإسرائيل التي حاولت لعقود أن تقدم نفسها باعتبارها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، باتت تواجه اليوم اتهامات متصاعدة بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب، حتى داخل المجتمعات الغربية التي كانت تشكل عمقها السياسي والإعلامي التقليدي. وهذا التحول لا يمكن التعامل معه باعتباره حالة عابرة، بل يمثل فرصة تاريخية يجب على حركة فتح والقوى الوطنية الفلسطينية أن تحسن استثمارها سياسياً وتنظيمياً ووطنياً.

في لحظات التحول الكبرى، لا يكفي توصيف الواقع أو البكاء على المآسي، بل يصبح السؤال الحقيقي هو ذاته السؤال الذي طرح تاريخيا : "ما العمل؟".

ذلك السؤال لم يكن سؤالاً نظرياً، بل كان سؤالاً يتعلق بكيفية تحويل التحولات التاريخية إلى مشروع سياسي قادر على البناء والتغيير. واليوم، وبعد المؤتمر الثامن، يصبح السؤال ذاته مطروحاً أمام حركة فتح: ما العمل في ظل انسداد الأفق السياسي؟ وما المطلوب من الحركة في لحظة تتغير فيها صورة إسرائيل عالمياً بينما يتعمق العدوان على شعبنا؟

أول ما تحتاجه حركة فتح في هذه المرحلة هو استعادة المبادرة السياسية والتنظيمية وعدم الاكتفاء بردود الفعل. فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود مطالبة اليوم بأن تعيد تعريف دورها بوصفها حركة تحرر وطني تخوض معركة بقاء وهوية وسيادة، لا مجرد إطار إداري أو سياسي تقليدي.

إن الجماهير الفلسطينية، خصوصاً جيل الشباب، تنتظر خطاباً جديداً أكثر وضوحاً وصلابة، خطاباً يعيد الاعتبار لفكرة التحرر الوطني ويعيد الثقة بين الحركة والشارع الفلسطيني.

لقد أثبتت الحرب الأخيرة أن إسرائيل لم تعد قادرة على تسويق نفسها بسهولة، وأن الرواية الفلسطينية باتت تمتلك حضوراً غير مسبوق في الجامعات الغربية والشوارع الأوروبية والأمريكية ووسائل الإعلام الدولية. غير أن هذا التحول الشعبي العالمي يحتاج إلى قيادة فلسطينية قادرة على تحويل التعاطف إلى ضغط سياسي وقانوني ودبلوماسي حقيقي.

وهنا تبرز ضرورة إطلاق خطة فلسطينية شاملة تقوم على عدة مستويات متوازية.

أولاً، يجب إعادة بناء الهجوم السياسي الفلسطيني على المستوى الدولي، عبر تفعيل أدوات القانون الدولي والمحاكم الدولية، وتوسيع معركة المقاطعة والعزل السياسي لإسرائيل، والعمل على تحويل ملف الاستيطان والتهجير والعدوان إلى عبء دائم على أي حكومة إسرائيلية قادمة.

فالعالم بدأ يسمع الرواية الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى، لكن المشكلة تكمن في غياب استراتيجية فلسطينية موحدة لاستثمار هذا التحول.

ثانياً، المطلوب من حركة فتح بعد المؤتمر الثامن أن تعيد بناء حضورها الشعبي والتنظيمي داخل الشارع الفلسطيني، خصوصاً في القدس والضفة الغربية والمخيمات والجامعات والنقابات.

فالمعركة المقبلة لن تكون عسكرية ، بل معركة وعي وصمود وتنظيم وقدرة على حماية الهوية الوطنية الفلسطينية من التفكك والإحباط واليأس.

ولا يمكن لحركة بحجم فتح أن تواجه هذه التحديات بعقلية البيروقراطية أو الحسابات الضيقة، بل بعقلية الحركة الوطنية الجامعة التي تستوعب الكفاءات والشباب والمناضلين وأصحاب الحضور الجماهيري الحقيقي.

ثالثاً، لا بد من قراءة المشهد الإسرائيلي بعمق ودقة. فإسرائيل تتجه نحو أزمة سياسية داخلية متفاقمة، واحتمال خروج بنيامين نتنياهو من المشهد السياسي بات مطروحاً بقوة مع تصاعد الفشل الأمني والعسكري والانقسام الداخلي.

لكن الخطأ الكبير سيكون الاعتقاد أن رحيل نتنياهو يعني نهاية المشروع الاستيطاني أو العدواني، فالأزمة في إسرائيل ليست أزمة شخص بل أزمة بنية سياسية كاملة تتجه أكثر نحو التطرف الديني والقومي.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعداد رؤية فلسطينية واضحة للتعامل مع أي انتخابات إسرائيلية قادمة وأي حكومة جديدة، بحيث لا يتم العودة إلى أوهام العملية السياسية القديمة أو إدارة الوقت تحت عناوين فارغة.

المطلوب هو استراتيجية فلسطينية تستند إلى تثبيت الحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها القدس وحق تقرير المصير وإنهاء الاحتلال، مع الاستفادة من التحولات الدولية والإقليمية لإعادة فرض القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني وليست مجرد ملف إنساني أو اقتصادي.

كما أن المطلوب من حركة فتح اليوم أن تعيد الاعتبار للوحدة الوطنية باعتبارها ضرورة استراتيجية وليست شعاراً إعلامياً. فالحرب أثبتت أن شعبنا موحد في الميدان وفي المعاناة وفي الهوية، بينما لا تزال الانقسامات السياسية تستنزف طاقات الفلسطينيين وتضعف قدرتهم على المواجهة.

ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والمقاومة الشعبية والديمقراطية والتمثيل الحقيقي.

إن المؤتمر الثامن يجب ألا يكون مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل نقطة انطلاق نحو مراجعة شاملة لمسار الحركة ودورها ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني كله.

فحركة فتح أمام اختبار تاريخي جديد: إما أن تستعيد دورها كقائدة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني القادرة على الاشتباك السياسي والجماهيري والدولي، وإما أن تترك فراغاً خطيراً في لحظة هي الأخطر على مستقبل القضية الفلسطينية.

لقد علمتنا التجارب الكبرى في التاريخ أن الشعوب التي تعرف كيف تستثمر تضحياتها تستطيع أن تحول الألم إلى قوة، والهزات الكبرى إلى بدايات جديدة.

واليوم، بينما تتكسر صورة إسرائيل في العالم تحت وقع جرائمها، فإن المطلوب فلسطينياً ليس انتظار المتغيرات، بل صناعة المتغير الفلسطيني القادر على فرض نفسه على الإقليم والعالم.

وهنا يعود السؤال مجدداً: ما العمل؟

والجواب يبدأ من إعادة بناء الثقة بالشعب، وبالمشروع الوطني، وبقدرة حركة فتح على أن تكون مرة أخرى حركة الجماهير الفلسطينية، وحركة الاشتباك السياسي المفتوح دفاعاً عن القدس وفلسطين وحقوق شعبنا التاريخية.


* الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس.

Tags

Share your opinion

متطلبات المرحلة القادمة بعد المؤتمر الثامن لحركة "فتح"

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.