يمثل هذا المقال تحديثًا وتطويرًا لمقال سابق نشر عام 2023 بعنوان:
"النقد على منهج المنقود وليس على منهج الناقد"،
وهو محاولة لمواصلة البحث في إشكالية النقد، وحدود المناهج، والعلاقة بين طبيعة المنقود وأدوات نقده.
يقول أبو العلاء المعري في قصيدته "غير مجد في ملتي واعتقادي":
"خفف الوطءَ ما أظنُّ أديمَ الأرضِ إلا من هذه الأجساد"
لم يكن المعري يقدّم نظريةً في الجيولوجيا، ولا تقريرًا علميًا عن مكونات التربة.
كان يكتب شعرًا؛ والشعر لا يُقاس بالمختبر، بل يُفهم بمعناه، وصورته، وغاياته الإنسانية.
ولو أن عالمًا أخذ حفنةً من التراب، ثم أخضعها للفحص المخبري، ليخرج بعد ذلك معلنًا أن المعري أخطأ لأن مكونات الأرض ليست من الأجساد البشرية، فإن المشكلة هنا ليست في نتائج التحليل، بل في المنهج المستخدم أصلًا.
لقد جرت محاكمة القصيدة بأدوات لا تنتمي إليها.
وهذه واحدة من أكثر الإشكاليات حضورًا في النقد المعاصر؛ إذ يظن بعض النقاد أن امتلاكهم لمنهج معين يمنحهم حق إخضاع كل الظواهر الإنسانية له، مهما اختلفت طبيعتها وسياقاتها.
فالمنهج العلمي، رغم قيمته العظيمة ودوره الكبير في تطور البشرية، ليس منهجًا مطلقًا يصلح لقراءة كل شيء. إنه منهج يقوم على الفرضيات والقياس والتجربة واختبار العلاقات بين المتغيرات، ولذلك يبدع في العلوم الطبيعية. لكنه ليس الأداة الوحيدة لفهم الإنسان، أو الأدب، أو الفلسفة، أو التجارب التاريخية والسياسية المعقدة.
المشكلة لا تبدأ من المنهج العلمي ذاته، بل من تحويله إلى معيار وحيد للحقيقة، ومحاولة إخضاع بقية المناهج له.
النقد العادل لا يبدأ من أدوات الناقد، بل من فهم طبيعة المنقود أولًا.
فالقصيدة تُقرأ بمنهج الأدب، والفكرة الفلسفية تُناقش ضمن سياقها الفكري، والتجارب السياسية والتحررية تُفهم من داخل ظروفها وأهدافها وبيئتها التاريخية.
ولهذا، فإن الخطأ المنهجي يحدث عندما تُنتزع الظواهر من سياقاتها، ثم تُحاكم بأدوات لا تشبهها.
وفي التجارب الوطنية الكبرى، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية وتعقيدًا. فبعض التجارب لا يمكن فهمها فهمًا حقيقيًا بعيدًا عن ظروف نشأتها، وطبيعة التحديات التي واجهتها، والرؤية التي انطلقت منها.
وفي هذا السياق، تناولنا في الملف الحركي الصادر عام 2019 عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح بعنوان "حركة فتح ما بين المعرفة والخيال" مفهوم "منهج الرؤية"، بوصفه مدخلًا لفهم تجربة الحركة وتأسيسها؛ حيث إن الرؤية ليست خيالًا منفصلًا عن الواقع، بل ثمرة معرفة عميقة بالإنسان والتاريخ والسياسة.
كما ناقشنا في الملف الحركي الصادر عام 2021 بعنوان "الظن والنقد وحركة فتح" أن نقد حركة فتح يصبح أكثر إنصافًا ودقة عندما ينطلق من فهم مبادئها وظروفها وبيئتها النضالية، لا من إسقاط نماذج جاهزة أو مقارنات مبسطة مع تجارب مختلفة.
كما تناولنا في الملف والمحاضرة الصادرين عام 2022 بعنوان "حركة فتح والخماسيات الخمسة في الفكر التحرري الوطني في مواجهة المشروع الصهيوني" البنية الفكرية الحاكمة للتجربة الفتحاوية، ومحاولة فهمها ضمن سياق الفكر التحرري الوطني الفلسطيني، لا باعتبارها تجربة سياسية معزولة، بل بوصفها مشروعًا تحرريًا تشكل في بيئة استعمارية وصراعية شديدة التعقيد. وقد أكّد ذلك أهمية قراءة التجارب الوطنية من داخل منطقها الفكري والتاريخي، لا من خلال إسقاطات جاهزة أو مقاييس مستوردة من تجارب مختلفة في الظروف والأهداف والأدوات.
فالتجربة الفلسطينية تحمل خصوصية تاريخية وسياسية تجعل القياس السريع عليها أمرًا مضللًا في كثير من الأحيان.
إن النقد الحقيقي لا يسعى إلى الانتصار على المنقود، بل إلى فهمه وتقويمه وتطويره. وهو لا يفرض على الأشياء ما ليس فيها، بل يحاول قراءتها ضمن منطقها الداخلي.
فليس من العدل أن نحاكم القصيدة بالمختبر، ولا أن نحاكم التجارب الإنسانية الكبرى بمنهج واحد يدّعي امتلاك الحقيقة وحده.





Share your opinion
قبسات.. لا تُحاكَم القصيدة بالمختبر