وجه المحلل العسكري في صحيفة هآرتس العبرية، عاموس هرئيل، انتقادات حادة للتوجهات السائدة في تل أبيب بشأن حتمية تجدد القتال مع إيران. وأشار هرئيل إلى أن إسرائيل تبدو وكأنها تغرق في مستنقع جنوب لبنان، في وقت تتزايد فيه التوقعات بفتح جبهة أوسع مع طهران دون ضمانات واضحة.
وأكد المحلل العسكري أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يبدي حماساً للعودة إلى سيناريو الحرب الشاملة في المنطقة، وهو ما يفسر تأجيله المتكرر للجداول الزمنية المقترحة. ويرى هرئيل أن النظام الإيراني يدرك هذا التردد الأمريكي جيداً، مما يدفعه للتمسك بمواقفه في المفاوضات غير المباشرة الجارية عبر الوساطة الباكستانية.
وحذر هرئيل من أن الجمود الحالي في المسار الدبلوماسي قد يدفع نحو انفجار عسكري لا يرغب فيه ترامب شخصياً. ومع ذلك، فإن الحكومة الإسرائيلية تواصل التصرف وكأن قرار المواجهة قد حُسم، وتستعد للمشاركة في هجوم واسع النطاق تعتبره وشيكاً رغم التعقيدات الإقليمية والدولية.
وتطرق التحليل إلى التهديدات الإيرانية بالرد القوي في حال تعرضها لهجوم إسرائيلي، مشيراً إلى أن ذلك سيؤثر بشكل مباشر على الجبهة الداخلية. ورغم تراجع قدرات إيران الصاروخية مقارنة بالعام الماضي، إلا أنها لا تزال تمتلك القدرة على دفع ملايين الإسرائيين إلى الملاجئ وإحداث حالة من الفوضى العارمة.
وفيما يخص الرؤية الإسرائيلية لموقف واشنطن، أوضح هرئيل أن تل أبيب تعتبر تصريحات ترامب مجرد تأجيل تكتيكي وليس إلغاءً لفكرة الهجوم. ويسود اعتقاد في الأوساط الأمنية الإسرائيلية بأن الرئيس الأمريكي سيجد نفسه مضطراً لشن ضربة عسكرية في نهاية المطاف بسبب انعدام الخيارات البديلة.
ميدانياً، لفت المحلل العسكري إلى أن حالة الجمود السياسي تنعكس بوضوح على الواقع العملياتي في جنوب لبنان. حيث لا يزال الجيش الإسرائيلي يحتفظ بثلاث فرق عسكرية في المنطقة، لكنها تعمل بقدرات محدودة ولا تبدي أي نية للتقدم نحو الشمال، مكتفية بالتحصن في مواقع دفاعية.
وتتركز مهام القوات الإسرائيلية حالياً على عمليات تمشيط القرى اللبنانية الحدودية والمواقع التي كان يستخدمها حزب الله. وتواجه هذه القوات تحديات كبيرة في الحفاظ على خطوطها داخل الأراضي اللبنانية في ظل استمرار الهجمات الصاروخية وعمليات التسلل التي ينفذها مقاتلو الحزب.
الجمود المستمر في المحادثات قد يؤدي إلى تجدد الحرب خلافا لرغبة ترامب، وإسرائيل تتصرف وكأن القرار قد اتُخذ بالفعل.
وأشار هرئيل إلى أن حزب الله يواصل استخدام الطائرات المسيّرة المفخخة بكثافة يومية، مما يشكل استنزافاً مستمراً للجيش الإسرائيلي. وتعتبر هذه الطائرات، التي يتم التحكم بها عبر تقنيات الألياف الضوئية، التهديد الأبرز الذي يتسبب في وقوع خسائر بشرية ومادية في صفوف القوات المتمركزة.
وانتقد المحلل العسكري التركيز المفرط في النقاش العام على الحلول التقنية لمواجهة المسيّرات، معتبراً أن المشكلة أعمق من ذلك. وأوضح أن المسيّرات التي تعمل بالألياف الضوئية لا تتأثر بأنظمة الحرب الإلكترونية التقليدية، مما يجعل إسقاطها أمراً معقداً يتطلب استراتيجيات دفاعية مختلفة.
وكشف هرئيل عن جانب مهمل في النقاشات العسكرية يتعلق بضعف الانضباط العملياتي داخل صفوف القوات المسلحة الإسرائيلية. وأكد أن التحقيقات الأولية في الحوادث الأخيرة أظهرت أن عدم الالتزام بالتعليمات الدفاعية الأساسية كان سبباً مباشراً في سقوط العديد من القتلى والجرحى.
ويربط المحلل هذا الخلل بظاهرة أوسع تشهدها المؤسسة العسكرية منذ بداية الحرب على مختلف الجبهات، وهي كثرة الحوادث العملياتية الناتجة عن الإهمال. ويرى أن غياب الانضباط يضعف من قدرة الجيش على تحقيق أهدافه الميدانية ويزيد من كلفة البقاء في المناطق اللبنانية المحتلة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن إسرائيل تواجه معضلة حقيقية بين الرغبة في توجيه ضربة لإيران وبين الواقع الميداني المتعثر في لبنان. فبينما تحلم القيادة السياسية بتغيير استراتيجي كبير، تصطدم هذه الطموحات بوقائع الميدان وبحسابات الحليف الأمريكي الذي يفضل التهدئة.
وخلص هرئيل إلى أن الاستمرار في هذا النهج قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد دون تحقيق نصر حاسم على أي من الجبهات. وحذر من أن الرهان على هجوم أمريكي وشيك قد يكون رهاناً خاسراً يترك إسرائيل وحيدة في مواجهة تداعيات حرب إقليمية واسعة النطاق.
ختاماً، يرى المحلل أن الجيش الإسرائيلي يحتاج إلى مراجعة شاملة لإجراءاته الميدانية وانضباط قواته قبل التفكير في توسيع رقعة الصراع. فالفجوة بين التصريحات السياسية والقدرات الفعلية على الأرض تزداد اتساعاً، مما يهدد بمزيد من الإخفاقات في المستقبل القريب.





Share your opinion
محلل إسرائيلي يحذر من الغرق في مستنقع لبنان وتوقعات واهمة بشأن الحرب مع إيران