بعيداً عن ضجيج السياسة وأزمات العالم التي لا تنتهي، يبرز اسم الفنان المغربي الراحل عبد الوهاب الدكالي كعنوان لزمن الفن الجميل. لقد غادرنا مؤخراً أحد آخر عمالقة الطرب الكلاسيكي، تاركاً خلفه إرثاً موسيقياً تجاوز حدود الجغرافيا ليربط بين القلوب في المغرب والجزائر وكافة أنحاء الوطن العربي.
تعد أغنية 'كان يا ما كان' التي صدرت في منتصف الثمانينيات، ملحمة غنائية تروي قصة حب حزينة تشبه في تفاصيلها الملاحم الشعبية الكبرى. ورغم أن شهرة 'مرسول الحب' التي انطلقت في السبعينيات قد غطت على الكثير من أعماله، إلا أن 'كان يا ما كان' ظلت أيقونة فنية فريدة بكلماتها وألحانها.
تستحضر الذاكرة أيام الدراسة في جامعة بن عكنون بالجزائر، حيث كانت أصوات الدكالي وعبد الهادي بلخياط ترافق الصباحات الطويلة للطلبة والموظفين. في تلك الفترة، لم تكن الموسيقى مجرد ترف، بل كانت رفيقاً يومياً يخفف من عناء المواصلات وزحمة العاصمة الخانقة.
كان الجيل الماضي يمتلك ذائقة فنية رفيعة، حيث كانت الكاسيتات في السيارات والمقاهي تصدح بأرقى الألحان المغربية والجزائرية على حد سواء. لم يكن هناك فرق بين صوت مغربي أو جزائري، فالإبداع كان هو المعيار الوحيد الذي يجمع الناس في تلك الحقبة.
تميزت أعمال الدكالي، وخاصة تلك التي كتب كلماتها الشاعر محمد الباتولي، بأنها لم تكن مجرد نصوص مغناة بل كانت لوحات مرسومة بالنغم. العبقرية في لحن الدكالي تكمن في قدرته على تجسيد القصة حركياً، حتى يخيل للمستمع أنه يرى تفاصيل الحكاية أمام عينيه.
رحيل الدكالي أعاد إلى الأذهان تلك الروابط المتينة التي نسجها الفن بين الشعوب المغاربية في وقت كانت فيه السياسة تشهد تجاذبات حادة. لقد كان صوته حاضراً بتقدير كبير في البيوت الجزائرية، تماماً كما كانت أصوات العمالقة الجزائريين حاضرة في وجدان المغاربة.
في تلك السنوات، لم يكن أحد يتنازع على ملكية الأغاني أو يحاول نسبها لبلد دون آخر بأسلوب ضيق الأفق. كانت الروح الفنية هي السائدة، وكانت 'نجمة قطبية' لرابح درياسة أو 'الله يا مولانا' لناس الغيوان ملكاً مشاعاً لكل من يتذوق الفن النقي.
استثنائية أغنية 'كان يا ما كان' أن ملحنها الدكالي حوّلها إلى لوحة فنية، حيث تشعر بالإيقاع كأنه فارس يختطف حسناء من حلمها.
لقد كانت الدنيا حينها بريئة من قاذورات منصات التواصل الاجتماعي التي تذكي نيران الكراهية والفرقة بين الأشقاء. الفن الحقيقي كان يعمل كجسر للتواصل، مصفداً سيوف الخلافات السياسية في أغمادها، ومقدماً لغة إنسانية سامية تتجاوز الحدود المصطنعة.
اليوم، ونحن نودع الدكالي، نتحسر على زمن كان فيه الفن النقي هو الغالب رغم وجود بعض الأعمال الهابطة آنذاك. الذوق العام السليم كان هو الحصن المنيع الذي يحمي الأجيال من الانحدار الثقافي، وهو ما افتقدناه في العصور المتأخرة.
تنتشر في الوقت الراهن ظاهرة سرقة الألحان وإعادة تدوير الأغاني القديمة دون أدنى احترام لحقوق المؤلف أو تاريخ المبدعين. لقد أصبح بعض المطربين يراكمون ثرواتهم من خلال السطو على تراث العمالقة، مستغلين جهل الأجيال الجديدة بأصول هذه الأعمال.
من حسن حظ إرث عبد الوهاب الدكالي أن أغانيه ظلت عصية على اللصوص والمدعين بفضل تعقيدها الفني وعمقها اللحني. فاللوحات الموسيقية العظيمة لا يمكن تقليدها بسهولة، وهي تحتاج إلى موهبة فذة لا يمتلكها لصوص الفن المعاصرون.
إن النقاشات التي دارت بين المثقفين والفنانين عقب خبر الوفاة، أكدت أن تأثير الراحل لم يكن محصوراً في جيل واحد. لقد اتفق الجميع على أن الدكالي كان مدرسة فنية متكاملة، جمعت بين الأداء المسرحي واللحن المبتكر والصوت القوي الرخيم.
يبقى الفن هو الذاكرة الحية التي لا تموت، ويبقى صوت الدكالي شاهداً على مرحلة ذهبية من الإبداع العربي المشترك. إن استعادة هذه الذكريات ليست مجرد حنين للماضي، بل هي محاولة للتمسك بالقيم الجمالية التي وحدت الشعوب يوماً ما.
في الختام، يظل عبد الوهاب الدكالي رمزاً للوحدة الثقافية المغاربية، وصوتاً سيبقى يتردد في أزقة الرباط وشوارع الجزائر العاصمة. رحل الجسد وبقيت 'كان يا ما كان' حكاية تروى للأجيال عن زمن كان فيه الفن هو اللغة الأسمى.





Share your opinion
عبد الوهاب الدكالي.. رحيل آخر العمالقة وصوت الذاكرة المشتركة بين المغرب والجزائر