Thu 21 May 2026 2:02 am - Jerusalem Time

ترامب في بكين: هل تنهي تفاهمات 'مضيق هرمز' عصر الأحادية الأمريكية؟

تعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحالية إلى العاصمة الصينية بكين نقطة تحول جوهرية في مسار العلاقات الدولية، حيث لم تعد مجرد لقاء دبلوماسي بروتوكولي بل أصبحت مرآة لتبدل موازين القوى. إن السعي الأمريكي للتفاوض مع التنين الصيني حول أمن مضيق هرمز يثبت أن واشنطن بدأت تدرك حدود قوتها في حماية الممرات المائية الأكثر حيوية في العالم.

هذا التحرك الدبلوماسي يأتي في وقت يعاني فيه النظام الدولي أحادي القطب من تصدعات عميقة، نتيجة عقود من التدخلات العسكرية التي وصفتها مصادر بأنها 'عبث استراتيجي'. لقد أدت السياسات السابقة، لا سيما غزو العراق عام 2003، إلى تحطيم التوازنات الإقليمية وفتح الباب أمام حالة من عدم الاستقرار المزمن في منطقة الشرق الأوسط.

ويرى مراقبون أن لجوء واشنطن إلى بكين يمثل اعترافاً ضمنياً بفشل سياسة العقوبات الأحادية واستخدام الدولار كسلاح مالي للضغط على الدول العربية والمنطقة. هذا الاعتماد المفرط على القوة الصلبة أضعف شرعية القيادة الأمريكية، مما مهد الطريق لبروز قوى دولية ترى في الولايات المتحدة مصدراً للاضطراب بدلاً من الاستقرار.

يمثل مضيق هرمز حجر الزاوية في هذه المفاوضات، ليس فقط لكونه شريان الطاقة العالمي، بل لأنه يمثل قضية وجودية للصين التي تعتمد عليه في تأمين معظم وارداتها النفطية. إن إشراك بكين في ترتيبات أمنية رسمية لهذا الممر المائي يرفع مكانتها من مجرد قوة اقتصادية إقليمية إلى شريك أساسي في إدارة الأمن الدولي.

النهج الجديد الذي يتبعه ترامب يشير إلى تراجع نموذج التهديد العسكري التقليدي لصالح ما يعرف بـ 'الأمن التنموي' الذي تروج له الصين. هذا النموذج يسعى لتحقيق الاستقرار عبر التكامل الاقتصادي والوساطات السياسية القائمة على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما يلقى قبولاً متزايداً.

إن طلب المساعدة من الصين في منطقة الخليج يعكس إدراكاً أمريكياً متأخراً بأن سياسات 'الضغط الأقصى' لم تحقق النتائج المرجوة. وبدلاً من العزلة، يبدو أن الحل يكمن في تنسيق متعدد الأقطاب يضمن مصالح القوى الكبرى ويقلل من احتمالات الصدام العسكري المباشر في الممرات الملاحية.

تطرح هذه الزيارة تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كنا نشهد ولادة قطب عالمي جديد أم مجرد هدنة مؤقتة بين القوتين العظميين. فالقطب الجديد يتشكل عندما تعترف القوى العالمية بأن المركز القديم لم يعد قادراً على فرض إرادته المنفردة على بقية دول العالم، وهو ما يبدو جلياً في المشهد الراهن.

ما يميز هذه التحركات أنها تتم خارج أطر التحالفات التقليدية مثل مجموعة السبع أو حلف الناتو، مما يعزز من قيمة المسارات الثنائية المباشرة. وفي الوقت نفسه، تتوسع آليات مثل 'بريكس+' لبناء بدائل مالية واقتصادية تقلل من الارتباط بالنظام المالي الذي تهيمن عليه واشنطن.

دول الخليج العربي، التي كانت لسنوات طويلة العمود الفقري لنظام 'البترودولار'، بدأت هي الأخرى في تنويع شراكاتها الاستراتيجية. هذا التوجه نحو الشرق، وتحديداً نحو الصين، يفرض على الولايات المتحدة إعادة ترتيب أوراقها لضمان بقائها كلاعب مؤثر في المنطقة.

في حال نجاح تفاهمات هرمز، سيؤدي ذلك إلى خلق نظام إدارة مشتركة لأهم ممر طاقة في العالم بين واشنطن وبكين. ورغم أن هذه الشراكة قد تظل محفوفة بالتوترات، إلا أنها ستغير قواعد اللعبة السياسية من الرياض إلى نيودلهي، وتفرض واقعاً جيوسياسياً جديداً.

ومع ذلك، تظل هناك عقبات هيكلية قد تعيق هذا التحول، أبرزها الانقسام السياسي الحاد داخل الولايات المتحدة تجاه العلاقة مع الصين. فهناك تيارات قوية في واشنطن لا تزال تؤمن بضرورة احتواء الصين عسكرياً واقتصادياً، مما قد يهدد استمرارية أي تفاهمات يبرمها ترامب.

من جهتها، تلتزم الصين بحذر شديد تجاه تحمل أعباء عسكرية مباشرة خارج حدودها، التزاماً بسياستها التقليدية القائمة على عدم التدخل. لذا، قد يقتصر التفاهم في مراحله الأولى على إدارة التوترات ومنع الانفجار، بدلاً من بناء تحالف عسكري متكامل في منطقة الخليج.

إن المشهد الحالي يكرس نهاية عصر الأحادية القطبية، حيث تجبر الحقائق الاقتصادية والميدانية الولايات المتحدة على البحث عن شركاء كانت تسعى سابقاً لاحتوائهم. هذا التحول يعكس فشل النهج الذي أعطى الأولوية للهيمنة المطلقة على حساب الاستقرار العالمي المستدام.

في الختام، يظهر ترامب في بكين بمظهر المفاوض الواقعي الذي يسعى لترميم ما أفسدته سنوات من 'العبث الاستراتيجي'. وسواء أدى ذلك إلى نظام ثنائي القطب أو عالم متعدد الأقطاب، فإن الثابت الوحيد هو أن قواعد القيادة العالمية قد تغيرت إلى غير رجعة.

Tags

Share your opinion

ترامب في بكين: هل تنهي تفاهمات 'مضيق هرمز' عصر الأحادية الأمريكية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.