Wed 20 May 2026 1:52 pm - Jerusalem Time

الجغرافيا والتاريخ.. لماذا تغرد الدبلوماسية العمانية خارج السرب الخليجي؟

تثبت سلطنة عمان مجدداً تمايزها الواضح في المحيط الخليجي والإقليمي، حيث لم تكتفِ بكونها الصوت الوحيد الذي أدان الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الأخير على إيران، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر منصات الصحافة الدولية. فقد وصف وزير خارجيتها، بدر البوسعيدي، في مقال بصحيفة 'الإيكونيميست' هذه الحرب بأنها غير مشروعة، معتبراً إياها خطأً فادحاً في حسابات الإدارة الأمريكية، مما يفتح الباب للتساؤل حول سر هذا الاستقلال الدائم في الموقف العماني.

يرى مراقبون وصحفيون عمانيون أن هذا الاختلاف ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تضافر الجغرافيا والتاريخ في نحت الشخصية العمانية. فالسلطنة التي ولدت على حافة البحر ولم تنغلق خلف الجبال، اكتسبت من الملاحة فن الصبر وفهم العالم، حيث تعلم الإنسان العماني متى يبحر ومتى ينتظر اللحظة المناسبة للتحرك، مما انعكس على هدوء ورصانة قرارات الدولة السياسية في الأزمات العاصفة.

إن الموقع الفريد للسلطنة على ثلاثة بحار، وتماسها التاريخي مع حضارات الهند وإيران وشرق إفريقيا، جعلها مركزاً لانصهار الثقافات والأديان. هذا الاحتكاك الطويل ولد لدى الشعب العماني صفات المرونة وإعمال العقل والترفع عن المهاترات السياسية، حيث أصبح الانفتاح على الآخر واحترام خصوصياته جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية التي تنتقل من جيل إلى جيل، مما جعل الدبلوماسية انعكاساً طبيعياً للمجتمع.

تاريخياً، اعتادت عمان أن تحكم نفسها بنفسها، حيث لم تنضوِ في العصور الإسلامية المبكرة تحت راية الدولتين الأموية أو العباسية، وهو ما كلفها حروباً وغزوات دحرتها السلطنة دفاعاً عن استقلالها. هذه الشخصية المستقلة هي التي تجعل قرارات مسقط اليوم غير خاضعة للإملاءات الخارجية، بل تتخذ بهدوء وبعيداً عن الضجيج الإعلامي، مما يمنحها سلاسة في التنفيذ وقبولاً دولياً حتى من الأطراف التي قد تختلف معها.

تؤمن المؤسسات العمانية بنهج مؤسساتي عريق يمتد لنحو ثلاثمائة عام، وهو ما يمنع الانجراف وراء العواطف الفردية أو التسرع في اتخاذ المواقف المتشددة. هذا الفكر المؤسسي يرفض منطق 'من ليس معنا فهو ضدنا'، ويرى أن هناك دائماً زوايا متعددة لكل قضية، مما يحمي السياسة العمانية من التذبذب السريع أو التغيير المفاجئ في الاتجاهات، ويجعلها ركيزة استقرار في منطقة مضطربة.

فيما يخص العلاقة مع إيران، لا تنظر مسقط إلى طهران كخصم سياسي عابر، بل كجار دائم تشترك معه في الجغرافيا والمصير الإقليمي. هذا المنظور يدفع الدبلوماسية العمانية للحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة دائماً وتجنب الانفعال في لحظات التوتر، إيماناً بأن الاستقرار لا يتحقق بالصدام المستمر، بل بالقدرة على استيعاب حركة التاريخ وامتصاص الأزمات بدلاً من مضاعفتها.

ختاماً، يمكن القول إن الهدوء العماني ليس حياداً سلبياً أو ضعفاً، بل هو خيار واعٍ يقوم على إدارة المخاطر وتغليب الحكمة. إن الفرادة العمانية تكمن في قدرة الدولة على تحويل التنوع المذهبي والعرقي والقبلي الداخلي إلى خبرة عميقة في التعايش، وهو ما تحاول مسقط نقله إلى جيرانها في الخليج، سعياً لإقناع المنطقة بأن الضجيج لا يصنع القوة دائماً، وأن الحكمة هي السبيل الوحيد للنجاة.

Tags

Share your opinion

الجغرافيا والتاريخ.. لماذا تغرد الدبلوماسية العمانية خارج السرب الخليجي؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.