جاء البيان الختامي للمؤتمر العام الثامن لحركة "فتح" حافلاً بالعناوين الوطنية التقليدية المتعلقة بغزة والقدس ومنظمة التحرير والوحدة الوطنية والمقاومة الشعبية والتطوير الداخلي، وهي جميعها قضايا مهمة ومشروعة.
وبالرغم أن "فتح" هي حركة تحرر وطنية ثورية وفق تعريفها بالنظام الداخلي للحركة، الا أن القراءة السياسية المتأنية تكشف أن البيان الختامي، رغم كثافة شعاراته، غلبت عليه لغة التكيّف السياسي البراغماتي وإدارة التوازنات أكثر من الواقعية الثورية القادرة على الربط بين الممكن السياسي والهدف التحرري، الأمر الذي انعكس في سرد الحالة وغياب حلول برامجية وأدوات واضحة لتنفيذ الرؤية السياسية تواكب طبيعة المرحلة التاريخية وتحدياتها التي يمر بها شعبنا الفلسطيني والمنطقة والعالم. هذا اضافة الى ضعف اللغة والمفردات الواردة بالبيان، كمصطلح "ذوي الإعاقة" بدلاً من ذوي "الحالات الخاصة"، ووجود جُمل وفقرات اعتراضية لم ترتبط بتفسير المطلوب من "فتح"، حين تمت الإشارة مثلاً الى أنتخابات المجلس الوطني.
ولعل من الضروري القول أيضاً هنا، إن النقاش حول مستقبل "فتح" لا ينفصل عن الملاحظات التي رافقت التحضير للمؤتمر الثامن نفسه، سواء على مستوى الدعوات وقوائم العضوية وآليات التمثيل، أو ما أُثير من جدل واسع بشأن استبعاد أو تهميش بعض الكفاءات والأسماء ذات التاريخ النضالي والسياسي المعروف. وهي قضايا كان من المفترض التعامل معها بروح أكثر انفتاحاً ومؤسسية، بما يعزز ثقة أبناء الحركة بعدالة العملية التنظيمية وشفافيتها، لا أن يترك آثاراً سلبية كان بالإمكان تجنبها. رغم ذلك فان مشاركتنا بالمؤتمر تمحورت حول الإنتماء لا الولاء، وقناعة منا أن قوة "فتح" التاريخية لم تكن في الهيمنة أو الإقصاء، بل في قدرتها على استيعاب التعدد واحتضان الكفاءات والاعتقاد بفتح المجال للنقاش الحر والمسؤول.
وبالرغم من كل الملاحظات التي رافقت انعقاد المؤتمر والتحضيرات له، والتي تتحمل اللجنة التحضيرية والهيئات القيادية المعنية مسؤولية أساسية عنها، فإن من الضروري أيضاً الاعتراف بأن جزءاً من المسؤولية يقع علينا جميعاً ككوادر وقيادات وأعضاء داخل الحركة، حين لم تتحول كثير من التساؤلات والملاحظات النقدية التي طُرحت خلال السنوات الماضية وخلال فترة الاعداد للمؤتمر إلى فعلٍ تنظيمي ضاغط يطالب بالمراجعة والمحاسبة والتطوير بصورة أكثر جدية ووضوحاً. فاستنهاض "فتح" لا يمكن أن يكون مهمة قيادة وحدها، بل مسؤولية جماعية تتطلب شجاعة النقد كما تتطلب شجاعة الفعل والمبادرة.
وهذا ما يعيدنا إلى سؤال كبير بات يفرض نفسه بعد المؤتمر، هل ما زالت البنية الحالية قادرة على إنتاج هذا التعدد وهذا الاستنهاض فعلاً ؟ أم أننا دخلنا تدريجياً في مرحلة تصبح فيها إدارة التوازنات أهم من إنتاج الرؤية الوطنية الجامعة للحركة ؟
ففي لحظة تشهد فيها القضية الفلسطينية استمرار حرب إبادة مفتوحة على غزة بأشكال مختلفة وتوسعاً استيطانياً وإبادة مكانية بالضفة بما فيها القدس، وتحولات إقليمية ودولية عميقة، كان من المتوقع أن يقدم المؤتمر تعريفاً أوضح لطبيعة الصراع القائم ومفهومه. هل ما زال الصراع يُعرّف باعتباره صراعاً تحررياً ضد مشروع استعماري استيطاني إحلالي مدعوم غربياً ؟ أم جرى اختزاله تدريجياً في إدارة أزمة سياسية وإنسانية تحت الأحتلال ؟ هذه المسألة الجوهرية غابت عن البيان، رغم أنها المدخل الضروري لأي استراتيجية وطنية مستقبلية.
كما لم يقدم البيان مقاربة سياسية واضحة لطبيعة المشروع الأمريكي في المنطقة بعد إقرار استراتيجية الامن القومي الامريكي وفي ظل ما يجري من إعادة تشكيل للشرق الأوسط على وقع الحرب والفكرية السياسية، ومحاولات فرض ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية جديدة قد تتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية أو تعيد تعريفها ضمن مقاربات وظيفية مرتبطة بالأمن الإقليمي والمصالح الإسرائيلية. كذلك لم يتناول بصورة مباشرة مشروع "إدارة غزة" المطروح أمريكياً بصيغ مختلفة، والذي يبدو في جوهره محاولة لإعادة إنتاج الأحتلال بصيغ وأدوات مختلفة، ومحاولة لإنتاج إدارة سكانية وأمنية تحت إشراف "مجلس ترامب للسلام" والذي استبعدت عنه منظمة التحرير، بعيداً عن معالجة جوهر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني وإنهاء احتلال.
وفي الوقت ذاته، غابت عن البيان قراءة أعمق لتحولات النظام الدولي المتسارعة وصعود قوى دولية جديدة باتت تنافس الهيمنة الأمريكية التقليدية أحادية القطب، وما يمكن أن يتيحه ذلك من فرص أمام الشعب الفلسطيني لإعادة بناء تحالفاته الدولية وتنويع خياراته السياسية والدبلوماسية. فالعالم يتغير بسرعة، لكن الخطاب السياسي الوارد بالبيان ما زال في كثير من جوانبه أسير المقاربات التقليدية ذاتها.
ومن القضايا الجوهرية التي غابت أيضاً عن البيان الختامي، غياب الدعوة إلى مراجعة نقدية ومسؤولة للمسار السياسي الذي سلكته "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية خلال العقود الماضية، بما في ذلك اتفاقيات "أوسلو" وملحقاتها السياسية والأمنية والاقتصادية. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على هذا المسار، وفي ظل التنكر الإسرائيلي العملي لها على الأرض عبر الأستيطان والضم ومحاصرة السلطة الوطنية وتقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، كان من الطبيعي أن يطرح المؤتمر أسئلة جدية حول ما آلت إليه العملية السياسية، وحول البدائل الوطنية الممكنة في مواجهة انهيار الأسس التي قامت عليها تلك الاتفاقيات.
إن أي عملية استنهاض وتطوير حقيقية لِ "فتح" وبالتالي للحركة الوطنية الفلسطينية لا يمكن أن تتم دون مراجعة سياسية شجاعة للتجربة السابقة، بعيداً عن عقلية التبرير أو الخوف من النقد، وبما يسمح بإعادة صياغة استراتيجية وطنية أكثر قدرة على مواجهة الوقائع الجديدة التي فرضها الأحتلال على الأرض، رغم التآكل المتزايد في صورة دولة الأحتلال دولياً نتيجة الجرائم المرتكبة بحق شعبنا أمام مرأى العالم.
أما داخلياً، فقد بدا لافتاً غياب أي رؤية واضحة بالبيان الختامي تتعلق بقيم الديمقراطية والمواطنة والعدالة الإجتماعية وفصل السلطات وسيادة القانون، وهي قضايا لم تعد تفصيلية أو مؤجلة، بل أصبحت جزءاً أساسياً من معركة الصمود الوطني السياسي نفسها. فالشعب الذي يواجه الأحتلال يحتاج أيضاً إلى نظام سياسي يشعر فيه المواطن بالكرامة والعدالة والمشاركة والمساءلة وبمبدأ المواطنة بدولة مدنية حتى ولو تحت الأحتلال.
والأكثر حساسية أن البيان لم يتناول بصورة كافية الهموم اليومية للناس، من الأزمة الاقتصادية الخانقة ذات البعد السياسي، وتأخر الرواتب، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع الخدمات العامة، والدور المطلوب من الحكومة في ظل هذا الانهيار الاقتصادي والاجتماعي المتفاقم كجزء من الأزمة السياسية والارتباط بها. وكأن السياسة ما زالت تُصاغ بمعزل عن الواقع المعيشي الصعب الذي يعيشه شعبنا الفلسطيني يومياً، هذا الى جانب غياب إيضاح الآليات اللازمة لمواجهة الاستيطان وارهاب المستوطنين والدور العقلاني الذي كان يجب ان تطالب به "فتح" من أجهزة السلطة في مساندة المقاومة الشعبية واستنهاضها.
كذلك، غاب النقاش الضروري بالبيان الختامي حول العلاقة بين السلطة الفلسطينية و"فتح" كحركة تحرر وطني. فمنذ سنوات تتعمق أزمة التداخل بين مفهوم السلطة بوصفها إدارة حكم ذاتي مؤقتة ومقيدة تحت الاحتلال، وبين دور "فتح" كحركة تحرر وطني يفترض بها قيادة مشروع مقاومة سياسية وشعبية ودبلوماسية واقتصادية وقانونية شاملة وفق رؤية واستراتيجية تحررية. فكان من المفترض أن يشكل المؤتمر فرصة لإعادة تعريف هذه العلاقة بصورة واضحة، بما يمنع ذوبان حركة التحرر داخل قيود السلطة والتزاماتها ووظائفها.
ومن الملاحظ أيضاً، أن البيان توجه بالشكر إلى الدول والأنظمة الرسمية، رغم اهمية ذلك، أكثر مما توجه إلى الشعوب وقواها التقدمية وأحزابها وحركاتها الاجتماعية، وكأن "فتح" تُقدم نفسها باعتبارها جزءاً من نظام سياسي رسمي أكثر من كونها حركة تحرر وطني ذات امتداد شعبي وأممي تحرري واسع.
كما غابت الإشارة الواضحة إلى الدور الوطني المتعاظم لجماهير شعبنا الفلسطيني داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي، الذين يواجهون يومياً السياسات الفوقية اليهودية والأبارتهايد والقهر القومي، رغم أنهم يشكلون جزءاً أصيلاً من الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية التي بقيت متجذرة بالأرض منذ بداية جريمة النكبة المستمرة حتى اليوم. وغاب أيضاً أي انفتاح سياسي أو أخلاقي على القوى اليهودية الديمقراطية المعادية للصهيونية التي باتت تشكل، رغم محدوديتها، جزءاً من جبهة عالمية متنامية ضد الاحتلال والحرب والعنصرية.
أما في ما يتعلق بالمشروع الوطني التحرري، فقد أعاد البيان التأكيد اللفظي على الدولة الفلسطينية، لكنه لم يتناول بصورة واقعية المخاطر التي تواجه إمكانية قيام الدولة على الأرض في ظل الاستيطان والضم والترحيل والتفتيت الجغرافي، ولم يقترب من جدلية الدولة نفسها، كيف يمكن الانتقال من الإعتراف النظري المتزايد بدولة فلسطين إلى آليات سياسية وقانونية وميدانية تفرض تجسيدها العملي من خلال إنهاء الاحتلال أولاً ؟
وفي هذا السياق، كان غياب الإشارة إلى الولاية السياسية والجغرافية لمنظمة التحرير الفلسطينية على كامل أراضي دولة فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧، والمعترف بها وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ٢٠١٢، أمراً لافتاً بمقابل عدم الاشارة لما يسمى "بلجنة أدارة قطاع غزة". كما غابت الدعوة الواضحة إلى تطوير أدوات المقاطعة السياسية والاقتصادية والأكاديمية لدولة الاحتلال باعتبارها إحدى أدوات النضال المشروعة والفاعلة عالمياً.
إن المشكلة الأساسية في البيان الختامي لا تكمن فقط فيما قاله، بل أيضاً فيما لم يقله. فالتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني اليوم لم تعد تسمح بإعادة إنتاج الخطاب التقليدي ذاته، ولا بالاكتفاء بالشعارات العامة التي لم تعد تقنع الأجيال الجديدة أو تقدم أجوبة حقيقية عن أسئلة المرحلة وعل اسئلة اصدقاء شعبنا حول العالم ايضاً.
ورغم ذلك، فإن النقد هنا لا يأتي من باب التقليل من أهمية "فتح" أو دورها التاريخي، بل من الحرص العميق على ضرورة استنهاضها وتطوير رؤيتها ودورها ووظيفتها الوطنية. فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود ما زالت تملك القدرة، إن توفرت الإرادة السياسية والفكرية والتنظيمية التي يجب أن تتجدد بحكم مسار التاريخ وتغير الظروف، لتكون الحامل من اجل لعب دور مركزي في إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس أكثر ديمقراطية ووضوحاً واستقلالية وقدرة على مواجهة المشروع الصهيوني والتحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة والعالم.
يبقى أن ما نحتاجه الآن ليس فقط الدفاع عن "فتح" كإرث تاريخي، بل الدفاع عن قدرتها على أن تبقى إطاراً حياً وحاملاً تنظيميا قادراً على إنتاج السياسة لا مجرد إدارة الواقع. وهو ما يشكل التحدي الأساسي أمام القيادة الجديدة المنتخبة في اللجنة المركزية والمجلس الثوري، الذين نشد على أياديهم ونقف إلى جانبهم في إقرار الإستراتيجية والرؤى والبرامج القادرة على استنهاض "فتح" والحركة الوطنية الفلسطينية وتجديد دورها التاريخي وتقديم الإجابات لأبناء شعبنا دون تركهم امام المجهول القادم.
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح".
===================================
ومن الملاحظ أيضاً، أن البيان توجه بالشكر إلى الدول والأنظمة الرسمية، رغم اهمية ذلك، أكثر مما توجه إلى الشعوب وقواها التقدمية وأحزابها وحركاتها الاجتماعية، وكأن "فتح" تُقدم نفسها باعتبارها جزءاً من نظام سياسي رسمي أكثر من كونها حركة تحرر وطني ذات امتداد شعبي وأممي تحرري واسع.
Wed 20 May 2026 11:28 am - Jerusalem Time





Share your opinion
بَين البيان الختامي واستحقاق استنهاض "فتح" والحركة الوطنية