Mon 18 May 2026 2:09 pm - Jerusalem Time

ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟

ارتبط الوجدان المصري لسنوات طويلة بشاشة التلفزيون الرسمي التي كانت بمثابة مدرسة تثقيفية شاملة، حيث تربت أجيال متعاقبة على محتوى بصري وسمعي يتسم بالرقي والعمق الجمالي. لم تكن تلك البرامج مجرد مواد ترفيهية عابرة، بل كانت نوافذ حقيقية أطل من خلالها المشاهد على الثقافات العالمية وفنون الحرب والسياسة من منظور إبداعي.

من أبرز تلك المحطات كان برنامج 'السينما والحرب' الذي قدمه الإعلامي الراحل أحمد سمير، حيث استطاع من خلاله تفكيك المشاهد القتالية وصناعة الأفلام الحربية. وقد ساهم هذا الطرح في بناء وعي نقدي لدى المشاهدين تجاه ما يعرض على الشاشات، متجاوزاً فكرة الاستهلاك السطحي للمحتوى السينمائي.

وفي سياق متصل، برز برنامج يعنى بالأفلام التسجيلية قدمه الراحل شفيع شلبي، والذي عُرف بأسلوبه المتمرد والمختلف في ذلك الوقت. فتح هذا البرنامج الباب أمام الجمهور المصري للتعرف على واقع الشعوب الأخرى وتوثيق اللحظات الإنسانية من كافة أرجاء المعمورة عبر عدسات المخرجين المستقلين.

أما برنامج 'نادي السينما' الذي ارتبط باسم المذيعة درية شرف الدين، فقد شكل علامة فارقة في تاريخ الإعلام العربي وليس المصري فحسب. كان البرنامج يعرض كبريات الأعمال السينمائية العالمية، ويتبعها بنقاشات تحليلية معمقة يشارك فيها نخبة من كبار النقاد لتشريح جماليات العمل الفني.

بفضل 'نادي السينما'، تعرف الجمهور المحلي على أسماء لامعة في عالم الإخراج مثل ألفريد هيتشكوك وفرانسيس فورد كوبولا وستيفن سبيلبرغ. ولم يقتصر الأمر على العرض فقط، بل كان المشاهد يتعرف بالتبعية على المدارس السينمائية المختلفة واتجاهاتها الفلسفية والتقنية التي سادت في شرق العالم وغربه.

وفي مرحلة لاحقة، جاء برنامج 'أوسكار' للمذيعة سناء منصور لينقل المشاهد المصري إلى أجواء الاحتفالات العالمية الكبرى والجوائز الدولية. كان هذا البرنامج بمثابة جسر يربط بين البيت المصري وبين كواليس صناعة السينما في هوليوود وأوروبا، مسلطاً الضوء على الأفلام التي تركت بصمة في التاريخ.

من خلال 'أوسكار'، شاهد الجمهور أعمالاً خالدة مثل فيلم 'دكتور جيفاغو' الذي تألق فيه النجم العالمي عمر الشريف تحت إدارة المخرج ديفيد لين. كما تعرف المشاهدون على ملحمة 'سبارتاكوس' للنجم كيرك دوغلاس والمخرج ستانلي كوبريك، مما عزز من ثقافة المشاهدة النوعية لدى الجمهور.

وعلى صعيد الموسيقى والغناء، كان برنامج 'العالم يغني' الذي قدمته حمدية حمدي يمثل متعة حقيقية في زمن ما قبل منصات التواصل الاجتماعي. كانت هذه النافذة هي المصدر الأساسي للتعرف على أحدث وأجمل الأغاني العالمية التي كانت تحقق انتشاراً واسعاً وتؤثر في الذائقة الموسيقية للشباب آنذاك.

كما لا يمكن إغفال دور المذيعة المخضرمة هند أبو السعود في برنامجها 'نافذة حول العالم'، الذي كان يقدم جرعة ثقافية ومعلوماتية متنوعة. هذه البرامج مجتمعة كانت تشكل جداراً دفاعياً ضد السطحية، وتساهم في بناء إنسان مثقف يدرك أبعاد العالم من حوله من خلال شاشة وطنية رصينة.

ولم يقتصر الحراك الثقافي على المذيعين المهنيين فقط، بل شارك فيه كبار الفنانين والمثقفين مثل الفنان القدير محمود مرسي. فقد قدم مرسي برامج استضاف فيها قامات فكرية وفنية لمناقشة القضايا الملحة في الفن والفكر، مما أضفى صبغة من الجدية والعمق على المحتوى التلفزيوني المقدم.

أما الإذاعة المصرية، فقد كان لها نصيب الأسد في تربية الذائقة من خلال محطة 'البرنامج الثاني' الثقافي التي تخصصت في الفنون الرفيعة. قدمت الإذاعة أمهات المسرح العالمي بأصوات كبار الفنانين، مما أتاح للمستمع تخيل روائع الأدب العالمي وتذوقها بأسلوب درامي احترافي.

وفي مجال الموسيقى الكلاسيكية، لعبت البرامج الإذاعية دوراً محورياً في تعليم الجمهور أصول التذوق الموسيقي عبر تحليل السيمفونيات الكبرى. كان المستمعون على موعد دائم مع عبقريات باخ وموزارت وبيتهوفن، حيث لم يكن الأمر مجرد استماع بل رحلة في فهم البناء الأوركسترالي وتاريخ الموسيقى.

إن استحضار هذا التاريخ الثقافي الغني يهدف إلى تسليط الضوء على القوة الناعمة التي امتلكها الإعلام المصري في عقود مضت. لقد كان الهدف الأسمى هو الارتقاء بالوعي الجمعي وتنمية الحس الجمالي لدى المواطن، بعيداً عن صخب المادة التجارية التي قد تفتقر أحياناً للجوهر الثقافي.

اليوم، ومع التطور التكنولوجي الهائل، تبرز الحاجة لاستعادة هذا الزخم الثقافي برؤية عصرية تواكب طموحات الجيل الجديد. إن التطلع إلى عودة هذه البرامج بأسلوب مطور ليس مجرد حنين للماضي، بل هو ضرورة ملحة لإعادة بناء الإنسان وتطوير مداركه في مواجهة التحديات الثقافية الراهنة.

Tags

Share your opinion

ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.