سلطت تقارير دولية الضوء على الملامح القاتمة لصراع محتمل بين الصين والولايات المتحدة، مستعرضة موازين القوى التي قد تدفع القوتين العظميين نحو مواجهة شاملة قد تنزلق إلى استخدام السلاح النووي. وتأتي هذه التحذيرات في ظل تصريحات صينية رسمية تؤكد أن ملف تايوان يمثل الخط الأحمر الذي قد يشعل فتيل الصدام إذا لم يتم التعامل معه بحذر.
وتشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن الأوساط البحثية في بكين وواشنطن تزدحم بفرضيات حول شكل المواجهة القادمة، حيث يبرز سيناريو الغزو الصيني لتايوان كأكثر الاحتمالات ترجيحاً لدى البنتاغون. وتتنوع الخطط الصينية المفترضة بين فرض حصار جوي وبحري خانق، أو الانتقال مباشرة إلى عملية عسكرية شاملة تهدف للسيطرة الكاملة على الجزيرة.
على الصعيد العسكري، بات جيش التحرير الشعبي الصيني يمتلك أكبر أسطول بحري في العالم، حيث يتجاوز عدده 350 سفينة وغواصة، مما يمنحه قدرة فائقة على تنفيذ عمليات إنزال واسعة النطاق. وتؤكد مصادر مطلعة أن وتيرة التصنيع العسكري في الصين وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، مما يجعل من الصعب تتبع الحجم الحقيقي للقطع البحرية الداخلة في الخدمة.
استثمرت بكين موارد هائلة لتطوير حاملات طائرات مزودة بأنظمة منجنيق كهرومغناطيسي، تهدف من خلالها إلى توفير غطاء جوي بعيد المدى وتحدي الهيمنة الأمريكية في غرب المحيط الهادئ. ويمثل هذا التطور احتمالاً نظرياً لوقوع أول معركة 'حاملات طائرات ضد حاملات طائرات' منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو ما يغير قواعد الاشتباك التقليدية.
في المقابل، لا تبدو تايوان لقمة سائغة في أي صراع قادم، إذ تمتلك الجزيرة قوة عسكرية تضاهي جيوش دول كبرى مثل فرنسا وإيطاليا من حيث التجهيز البحري والجوي. وتعتمد تايوان على ترسانة تضم مدمرات وفرقاطات حديثة، بالإضافة إلى أسطول جوي يتكون من مئات المقاتلات المتطورة من طراز 'إف-16' و'ميراج 2000'.
عززت تايوان قدراتها الدفاعية باتفاقيات تسليح ضخمة مع واشنطن، شملت شراء عشرات المقاتلات من طراز 'إف-16 فايتينغ فالكون' لضمان التفوق الجوي. كما تمتلك الجزيرة صواريخ كروز من طراز 'هسيونغ فنغ' القادرة على الوصول إلى العمق الصيني واستهداف مدن ساحلية كبرى، مما يشكل أداة ردع حقيقية ضد أي هجوم بري.
يرى محللون أن التقارب في الوزن الاستراتيجي بين الأطراف المتصارعة يجعل من الصعب حسم المعركة سريعاً، حيث يمتلك كل طرف أدوات ردع قادرة على موازنة الكفة. فبينما تتفوق الولايات المتحدة في عدد وحجم حاملات الطائرات، طورت الصين منظومات صاروخية 'قاتلة للحاملات' تجعل اقتراب السفن الأمريكية من سواحلها مغامرة انتحارية.
أي مقاربة غير سليمة لملف تايوان قد تؤدي إلى إشعال مواجهة مباشرة بين بكين وواشنطن.
كشفت بكين مؤخراً عن جيل جديد من الصواريخ الفرط صوتية والمضادة للسفن، مثل 'بينغ جيه 21' و'بينغ جيه 15'، والتي تتميز بقدرة عالية على المناورة واختراق الدفاعات المعقدة. هذه المنظومات مصممة خصيصاً لإمطار الأساطيل المعادية بوابل من النيران الدقيقة التي قد تلحق خسائر جسيمة بالبحرية الأمريكية في وقت قياسي.
إن اندلاع صراع مباشر نتيجة أي استفزاز أو تقدير خاطئ سيؤدي حتماً إلى حرب عالمية بكل المقاييس، نظراً لحجم القوات المنخرطة والقدرات التكنولوجية المستخدمة. ولا يستبعد الخبراء أن تلجأ الأطراف إلى الخيار النووي في حال شعرت بتهديد وجودي، مما يضع العالم بأسره على حافة كارثة غير مسبوقة.
تدرك الدوائر العسكرية في واشنطن الروح القتالية العالية لجيش التحرير الشعبي الصيني، وهي عقيدة عسكرية ترسخت منذ مواجهات الحرب الكورية في الخمسينيات. هذا التاريخ القتالي يدفع المخططين الأمريكيين إلى إعادة تقييم أي تدخل عسكري مباشر قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد للقوات الأمريكية في المحيط الهادئ.
من جهة أخرى، يمثل الدمار الواسع الذي قد يلحق بالبنية التحتية المتطورة في تايوان عائقاً أمام رغبة الصين في الحسم العسكري المباشر، حيث تفضل بكين استلام الجزيرة كمركز اقتصادي مزدهر لا كأرض محروقة. هذا الاعتبار الجيوسياسي يدفع القيادة الصينية أحياناً نحو تبني خيارات أكثر هدوءاً تعتمد على الضغط المتواصل.
تشير مصادر إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً قد يكون اعتماد بكين لسياسة 'الصبر الاستراتيجي'، وهي استراتيجية تقوم على الدمج التدريجي والهادئ عبر الضغوط السياسية والاقتصادية. ويهدف هذا النهج إلى تكرار تجربة هونغ كونغ وماكاو، وتجنب الصدام المسلح الذي قد يدمر المكتسبات الاقتصادية للطرفين.
رغم لغة التهديد، يبقى الحذر وضبط النفس هما السمة الغالبة على تحركات القوى الكبرى حتى الآن، خوفاً من الانزلاق إلى مواجهة لا رابح فيها. ومع ذلك، فإن استمرار سباق التسلح في بحر الصين الجنوبي يبقي احتمالات الانفجار قائمة، بانتظار أي شرارة قد تشعل فتيل الحرب العالمية الثالثة.
في نهاية المطاف، يبقى التوازن العسكري بين الترسانة الصينية المتنامية والتحالفات الأمريكية في المحيط الهادئ هو الضامن الوحيد لمنع وقوع الكارثة. إن أي تغيير في هذا التوازن، سواء عبر تقدم تكنولوجي مفاجئ أو قرار سياسي متهور، قد يحول الفرضيات البحثية إلى واقع دموي يغير وجه البشرية.





Share your opinion
سيناريوهات المواجهة الكبرى: كيف ستبدو الحرب النووية المحتملة بين واشنطن وبكين؟