لم تعد العنصرية التقليدية الصريحة قادرة على النفاذ بسهولة إلى الفضاء العام في المجتمعات الغربية، حيث باتت تواجه بنبذ اجتماعي وملاحقات قانونية صارمة. هذا الحصار دفع أقطاب اليمين المتطرف إلى ابتكار أساليب أكثر مراوغة عبر التلاعب بالمصطلحات السياسية، لإعادة تغليف خطاب التحريض بلغة تبدو في ظاهرها نقاشاً مشروعاً حول الهوية والأمن القومي.
كشف تحقيق حديث نشرته صحيفة 'بايلاين تايمز' البريطانية عن آليات هذه 'الشيفرة اللغوية' من خلال تتبع خطاب الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون. وأظهر التحليل أن روبنسون، الذي يمتلك قاعدة جماهيرية مليونية، ينجح في تحويل خطابه الرقمي إلى حشود غاضبة في الشوارع عبر استغلال ثغرات التعريفات القانونية للعنصرية.
روبنسون، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي لينون، يعد أحد أبرز الوجوه التعبوية في بريطانيا منذ تأسيسه 'رابطة الدفاع الإنكليزية' عام 2009. وقد ركز التحقيق على مراجعة أكثر من 140 منشوراً له عبر منصة 'إكس'، كشفت عن استراتيجية منظمة لدمج العداء الديني بالعنصرية العرقية الصرفة ضد المهاجرين والسود.
تعتمد هذه الاستراتيجية على استخدام كلمات مفتاحية مثل 'السكان الأصليين' كرمز حصري للبيض، في مقابل وصف اللاجئين بـ'الغزاة'. هذه الثنائية تهدف إلى تصوير التنوع العرقي كخطر ديمغرافي داهم يهدد وجود الدولة، مما يمنح خطاب الكراهية صبغة 'الدفاع عن النفس' المقبولة سياسياً لدى قطاعات معينة.
كما رصدت المصادر استخدام مصطلح 'لندن الحديثة' كأداة للسخرية من التنوع الثقافي في العاصمة البريطانية، والادعاء بأنها باتت مدينة غريبة عن أهلها. ويتم ربط جنسيات محددة مثل 'الصوماليين' بجرائم الاحتيال والعنف بشكل نمطي ومستمر، لترسيخ صورة ذهنية تربط بين الإسلام والعرق والجريمة.
يتوسع الخطاب اليميني ليشمل مصطلحات أكثر خطورة مثل 'إعادة الهجرة'، وهو تعبير تتبناه الحركات القومية البيضاء للمطالبة بطرد المهاجرين حتى الحاصلين على الجنسية. هذا المصطلح يرتبط مباشرة بنظرية 'الاستبدال العظيم' المؤامراتية، التي تزعم وجود خطة ممنهجة لاستبدال شعوب أوروبا البيضاء بمهاجرين من خلفيات مختلفة.
العنصرية الصريحة لم تعد قادرة على العبور بسهولة، لذا وجد اليمين المتطرف في التلاعب بالمصطلحات طريقاً مراوغاً لإعادة إنتاج خطاب الإقصاء.
لا يكتفي روبنسون باستهداف الوافدين الجدد، بل يمتد خطابه ليشمل 'أبناء الغزاة' في إشارة للأجيال التي ولدت ونشأت في القارة الأوروبية. استخدام أوصاف مثل 'الطفيليات' يهدف بوضوح إلى نزع الإنسانية عن المستهدفين، مما يمهد الطريق لتقبل السياسات الإقصائية العنيفة تحت مسمى 'نزع الأسلمة'.
ولتحصين نفسه من تهم العنصرية التي قد تؤدي لحظر حساباته، يلجأ روبنسون إلى أسلوب 'التوكينيزم' عبر استعراض مؤيدين من أقليات غير بيضاء في تجمعاته. هذا التكتيك يهدف إلى إظهار حركته كجبهة سياسية متنوعة تحارب 'الأيديولوجيا' وليس الأعراق، وهو ما تفنده خلفيته السابقة في الحزب الوطني البريطاني النازي الجديد.
تؤكد التحليلات أن هذا التحول في اللغة ليس تغييراً في القناعات، بل هو تطور في أدوات المواجهة الإعلامية لضمان البقاء في المشهد العام. فالمصطلحات التي تبدو تقنية أو سياسية حول 'الهجرة غير الشرعية' تخفي خلفها عداءً جذرياً لكل ما هو غير أبيض، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً لمنصات التواصل والقوانين الناظمة.
إن نجاح اليمين المتطرف في بناء هذه المنظومة اللغوية مكنه من الوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور الذي قد ينفر من العنصرية الفجة. وبذلك، يتحول خطاب الكراهية من مادة منبوذة إلى 'وجهة نظر' يتم تداولها في البرامج الحوارية والمنصات الرقمية الكبرى دون رادع حقيقي.
في الختام، يشدد الخبراء على ضرورة فهم هذه الشيفرات لتفكيك الدعاية اليمينية التي تهدد السلم الأهلي في المجتمعات التعددية. فالمعركة اليوم ليست فقط مع الأفعال العنصرية، بل مع اللغة التي تشرعن هذه الأفعال وتمنحها غطاءً أخلاقياً وقانونياً زائفاً في الفضاء الرقمي والواقعي على حد سواء.





Share your opinion
شيفرات الكراهية: كيف يعيد اليمين المتطرف في الغرب تغليف عنصريته؟