تواجه الدبلوماسية التونسية في المرحلة الراهنة تساؤلات جوهرية حول قدرتها على مواكبة التحولات السياسية التي شهدتها البلاد منذ إجراءات 25 يوليو 2021. ورغم أن هذه الإجراءات استندت إلى ضرورة تأمين السير الطبيعي لدواليب الدولة، إلا أن الواقع الدبلوماسي يشير إلى فجوة بين الخطاب الرسمي والمنجز الفعلي على الأرض.
تشير التقارير والدراسات إلى وجود أزمة شغورات حادة في التمثيل الدبلوماسي التونسي بالخارج، حيث تفتقر أكثر من 27 سفارة إلى وجود سفراء أصليين. وتدار هذه البعثات حالياً عبر قائمين بالأعمال بالنيابة، مما يضعف من قدرة تونس على إدارة ملفاتها الاقتصادية والسياسية في عواصم القرار العالمي.
تتوزع هذه الشغورات على أكثر من 40 منصباً حساساً من جملة 91 بعثة دبلوماسية وقنصلية تابعة للدولة التونسية. هذا الوضع أدى إلى تراجع فاعلية الدبلوماسية الاقتصادية، خاصة في المناطق التي تعتبرها السلطة الحالية حيوية لفك الارتباط بالتبعية التقليدية للمراكز الغربية.
يبرز الخلل بشكل أوضح في العلاقات التونسية مع دول جنوب الصحراء الكبرى، حيث لا تمتلك تونس سوى عشر سفارات في هذا المجال الجغرافي الواعد. ورغم وجود فائض تجاري لصالح تونس تجاوز 800 مليون دينار مطلع عام 2025، إلا أن التمثيل الدبلوماسي لا يزال دون مستوى الطموحات الاقتصادية.
تمثل الصادرات التونسية نحو دول جنوب الصحراء نسبة ضئيلة لا تتجاوز 2.1% من إجمالي العائدات الوطنية، و10% من إجمالي المبادلات مع القارة السمراء. وتعكس هذه الأرقام ضعف الاستثمار في القنوات الدبلوماسية التي يفترض أن تفتح آفاقاً جديدة للمنتجات والخدمات التونسية في الأسواق البديلة.
على الصعيد السياسي، أثار غياب رئيس الدولة عن القمة الفرنسية الأفريقية الأخيرة في نيروبي عام 2026 تساؤلات حول أولويات التحرك الخارجي. فبينما شارك الرئيس في قمم سابقة مع إيطاليا والولايات المتحدة والصين، جاء إنابة رئيسة الحكومة في قمة نيروبي ليعكس تبايناً في إدارة الملف الأفريقي.
يرى مراقبون أن مركزة السلطة في ظل دستور 2022 لم تنجح حتى الآن في سد الشغورات الإدارية والدبلوماسية الواسعة. فإلى جانب السفارات، تدار العديد من الولايات والإدارات العامة بمنطق التكليف المؤقت، مما يعيق استقرار السياسات العامة للدولة وتنفيذ المشاريع الاستراتيجية.
تونس لا تملك في المجال الأفريقي الصاعد إلا عشر سفارات، رغم أن ميزان التبادل يميل لصالحها بفائض فاق 800 مليون دينار.
تطرح هذه الوضعية فرضية وجود صراع خفي بين مراكز القوى داخل أجهزة الدولة، أو حالة من 'الإلغاء المتبادل' بين الرئاسة والمنظومة الإدارية القديمة. ويبدو أن غياب النخب البديلة القادرة على تعويض الكفاءات التقليدية قد ساهم في إطالة أمد هذه الشغورات التي تضرب مفاصل الدولة.
إن التناقض الداخلي في مشروع 'تصحيح المسار' يكمن في محاولة كسب ما يوصف بـ'حرب التحرير الوطني' باستخدام أدوات ونخب تنتمي للمنظومة السابقة. هذا التداخل أدى إلى تعثر في بناء عقيدة دبلوماسية جديدة تتجاوز الموروث التقليدي الذي كان يهمش المجال الأفريقي لصالح العلاقات مع الغرب.
تاريخياً، عانت الدولة التونسية منذ الاستقلال من نظرة 'تحديثية' استبعدت العمق الأفريقي واعتبرته عائقاً أمام اللحاق بركب الأمم المتقدمة. واستمر هذا النهج في عهود لاحقة، مما رسخ صورة نمطية في المخيال الجمعي حالت دون بناء تعاون استراتيجي قائم على المصالح المشتركة مع دول القارة.
زادت قضية المهاجرين واللاجئين من تعقيد المشهد، حيث أدت التوترات الهوياتية إلى دفع العلاقات الدبلوماسية مع أفريقيا نحو خلفية المشهد. وبدلاً من البناء على المصالح البراغماتية، طغت الهواجس الأمنية والهوياتية على أجندة التعامل مع دول جنوب الصحراء في الآونة الأخيرة.
اعترفت مصادر رسمية في وزارة الخارجية أمام البرلمان بأن الانتشار الدبلوماسي الحالي في آسيا وأفريقيا لا يفي بالحد الأدنى من الحاجات الوطنية. ومع ذلك، لا تزال الخطوات العملية لتصحيح هذا المسار بطيئة، مما يضيع على تونس فرصاً استثمارية كبرى في ظل التنافس الدولي المحموم على القارة.
تتطلب المرحلة القادمة بناء سياسات خارجية مستقلة تستفيد من تناقض مصالح القوى العظمى في القارة الأفريقية لترسيخ السيادة الوطنية. ولكن هذا المطلب يصطدم بواقع هيمنة نخب قديمة على مراكز القرار، مما يجعل التحول نحو 'دبلوماسية الفعل' أمراً بعيد المنال في الوقت الراهن.
في الختام، يظل ملف الشغورات الدبلوماسية اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النظام الحالي على ترجمة شعاراته السياسية إلى واقع إداري ملموس. فبدون تمثيل خارجي قوي وفاعل، ستبقى طموحات التحرر الاقتصادي والسياسي مجرد سرديات خطابية تفتقر إلى الأذرع التنفيذية القادرة على تحقيقها.





Share your opinion
أزمة الشغورات الدبلوماسية في تونس: هل تعيق طموحات 'التحرير الوطني' والتوجه نحو أفريقيا؟