Thu 14 May 2026 9:21 am - Jerusalem Time

البنية التنظيمية في حركة فتح : بين التراكم التاريخي ومتطلبات التطوير


رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراه في الوظيفة العمومية
في أي عملية مراجعة تنظيمية جادة داخل حركة فتح، خصوصا في سياق المؤتمر الثامن، يبرز سؤال مركزي لا يمكن تجاهله : كيف يتم إنتاج بعض المسميات التنظيمية واستمرارها رغم تغير الواقع، مقابل مسميات أخرى فقدت فاعليتها وشرعيتها الزمنية ولم تعد تعبر عن الحالة الحركية أو المجتمعية ؟
في الواقع التنظيمي، تتشكل بعض المواقع أو المسميات عبر تراكمات تاريخية أو توازنات داخلية سابقة، ثم تتحول مع الزمن إلى هياكل قائمة بذاتها، حتى وإن تراجع دورها الفعلي، هذا النوع من الإنتاج التنظيمي غالبا ما يتم عبر قرارات مرحلية أو توافقات مؤقتة، لكنه مع مرور السنوات يفقد مبرراته الموضوعية، خاصة إذا لم يتم تجديده عبر انتخابات دورية أو تقييم مؤسسي شفاف، وهنا تظهر الإشكالية استمرار الشكل رغم غياب المضمون.
في المقابل، بالرغم من التمثيل لكافة المسميات والهيئات والنقابات والاتحادات وهي في بعضها حقيقية الجذور في المجتمع والعمل المؤسساتي  الفلسطيني، ولكن البعض استثمرها لمأرب شخصية مما همش أو أضعف دورها داخل البنية التنظيمية لصالح مواقع منتجة تنظيميا أكثر منها منتجة اجتماعيا.
هذا الخلل أدى وإن تغاضى عنها أصحاب القرار إلى فجوة بين الشرعية التنظيمية والشرعية الشعبية، حيث تصبح بعض المواقع قائمة على التراكم الإداري لا على التمثيل الفعلي، ومن أبرز الإشكاليات التي يمكن رصدها في هذا السياق إنتاج مواقع تنظيمية جديدة لتلبية توازنات داخلية دون دراسة الحاجة الفعلية لها وبقاء مواقع قديمة رغم انتهاء دورها العملي أو تغير وظيفتها وضعف آليات المراجعة الدورية التي تعيد تقييم جدوى الهيئات والمواقع وتداخل الصلاحيات بين مواقع تنظيمية ونقابية وهيئات مجتمعية، ما يخلق حالة من التشويش بدل التكامل والشراكة.
إن هذا الواقع أنعكس سلبا على دور النقابات والاتحادات والهيئات وغيرها من المسميات، التي يفترض أن تكون أكثر حيوية وديناميكية، لكنها تجد نفسها أحيانا محكومة بهياكل لا تعكس وزنها الحقيقي الشرعي أو دورها الفعلي، وعملها موسمي وفق ما تتطلب الظروف ما يضعف قدرتها على التأثير في القرار الحركي.
إن أحد أهم التحديات أمام المؤتمر الثامن يتمثل في إعادة ضبط الشرعية التنظيمية على أساسين متلازمين:أولا الشرعية الزمنية، أي تحديد مدة واضحة لكل موقع تنظيمي قابل للتجديد أو التغيير عبر آليات ديمقراطية، ثانياً الشرعية الوظيفية، أي ربط استمرار أي مسمى بمدى قيامه بدور فعلي وملموس داخل المجتمع والمؤسسة والحركة.
من دون ذلك، ستظل بعض المواقع تعاد إنتاجها بشكل تلقائي، بينما تتراجع هيئات فاعلة ومؤثرة عن موقعها الطبيعي، وهو ما يخلق خللا في التوازن التنظيمي ويضعف منسوب الثقة الداخلية.
إن الاستثمار الحقيقي للمؤتمر لا يكون في تثبيت الواقع كما هو، بل في إعادة هندسة البنية التنظيمية على أسس واضحة الكفاءة، التمثيل الحقيقي، والفاعلية، مع فتح المجال أمام النقابات والاتحادات والهيئات لاستعادة دورها الطبيعي كقوة حية داخل الحركة، وليس كإطار رمزي أو هامشي وموسمي مع عدم استثمار الأوضاع تحت مسميات المطالب والحقوق لتحقيق مأرب شخصية، وبذلك فقط يمكن تحويل المؤتمر من محطة لإعادة توزيع المواقع، إلى محطة لإعادة بناء الشرعية التنظيمية على أسس حديثة، تعكس الواقع الفلسطيني وتستجيب لتحدياته المتغيرة.

Tags

Share your opinion

البنية التنظيمية في حركة فتح : بين التراكم التاريخي ومتطلبات التطوير

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.