شهد القرن السادس عشر تحولاً جذرياً في موازين القوى الدولية، حيث فرض الإسبان والبرتغاليون سيطرة بحرية واسعة عقب سقوط غرناطة. وقد استمدت هذه القوى زخمها من الكنوز والذهب المستخرج من المستعمرات في أمريكا الجنوبية، مما مكنها من بناء أساطيل جابت المياه الدولية وانتزعت السيادة من العثمانيين الذين كانوا يهيمنون سابقاً على البحار والمضائق.
انتقلت الريادة البحرية لاحقاً إلى البريطانيين الذين أدركوا مبكراً أن السيطرة على البر تبدأ من التحكم في البحر. وبفضل بناء أقوى أسطول عالمي في عهد هنري الثامن، تمكنت بريطانيا من الوصول إلى الهند وتأمين طرق الملاحة، مما مهد الطريق لظهور الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، والتي حكمت ربع سكان الأرض.
لعب الموقع الجغرافي لبريطانيا دوراً حاسماً في تفوقها، حيث وفرت لها الطبيعة الجزئية حماية من الغزو البري المباشر. هذا الاستقرار الداخلي أتاح للتاج البريطاني تركيز كافة الموارد لبناء قوة بحرية ضاربة، مكنتها من الهيمنة الاستعمارية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.
مع بداية القرن العشرين، بدأت عوامل الضعف تتسلل إلى الإمبراطورية البريطانية، مما أفسح المجال لصعود قوى جديدة كالألمان والأمريكيين. وانتهى المطاف بانتقال الزعامة البحرية إلى الولايات المتحدة، التي تمتلك اليوم الأسطول العسكري الأضخم في التاريخ، مما جعلها القوة الأعظم التي تؤمن حركة الملاحة في كافة المحيطات.
تتشابه التجربة الأمريكية مع البريطانية في الاستفادة من 'الدرع المائي' والموقع الجغرافي البعيد عن بؤر الصراع التقليدية. هذا الموقع الاستراتيجي وفر لواشنطن حماية طبيعية مكنتها من التمدد عبر البحار لحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية، وفرض رؤيتها للأمن القومي العالمي انطلاقاً من القوة البحرية.
إن تحول الدول إلى إمبراطوريات مرهون بالسيطرة على طرق التجارة العالمية، وفي مقدمتها طرق الملاحة البحرية.
تعتبر الولايات المتحدة أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز بمثابة تحدٍ مباشر لتفوقها البحري وريادتها الدولية. فالأمر بالنسبة لواشنطن لا يتوقف عند تدفق إمدادات الطاقة فحسب، بل يتعلق بصورة القوة التي تمنع أي طرف إقليمي أو دولي من التقاط إشارات ضعف قد تهز مكانتها العالمية.
تاريخياً، اتخذت الإدارات الأمريكية المتعاقبة قرارات حاسمة لحماية الممرات المائية، كما حدث في عهد رونالد ريغان خلال 'حرب الناقلات'. حينها صدرت الأوامر للسفن الحربية بمرافقة ناقلات النفط، في رسالة واضحة بأن العبث بأمن الخليج العربي هو خط أحمر يمس جوهر الزعامة الأمريكية للبحار.
تواجه الهيمنة البحرية الأمريكية اليوم تحديات متصاعدة، لا سيما مع التطور الكبير في صناعة السفن والغواصات الصينية. تهدف بكين من خلال تعزيز قوتها البحرية إلى حماية 'مبادرة الحزام والطريق'، وهو ما يثير قلق واشنطن من كسر قاعدة الحماية الجغرافية التي تمتعت بها لعقود طويلة.
إلى جانب الطموح الصيني، تسعى روسيا جاهدة لاستعادة مركزها البحري المفقود عبر تكثيف حضورها في البحر الأسود والمحيط الهادئ. هذا التنافس المحموم يضع الولايات المتحدة في حالة استنفار دائم للاحتفاظ بلقب 'سيدة البحار'، وهو اللقب الذي يضمن لها البقاء كقوة أعظم في النظام الدولي المعاصر.
في الختام، يظل التاريخ شاهداً على أن من يسيطر على طرق التجارة البحرية يمتلك مفاتيح الإمبراطورية والريادة. فمنذ عهد اليونانيين والرومان وصولاً إلى العصر الحديث، ظلت السيادة البحرية هي الشرط الأساسي للزعامة العالمية، وهي سيادة تضعف وتتلاشى بمجرد فقدان القدرة على تأمين الممرات المائية الدولية.





Share your opinion
صراع السيادة على البحار: الطريق التاريخي نحو الزعامة العالمية