ألقت الحرب التي تشنها واشنطن وتل أبيب على إيران بظلال ثقيلة على قطاع الطيران المدني الإسرائيلي، حيث تحولت المطارات الرئيسية إلى ما يشبه الثكنات العسكرية. وأدى التوسع العسكري الأمريكي داخل مطاري بن غوريون ورامون إلى عرقلة حركة الملاحة الجوية المدنية بشكل غير مسبوق، مما تسبب في خسائر مالية متراكمة للشركات المحلية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن مطار بن غوريون القريب من تل أبيب، ومطار رامون في الجنوب، باتا يعملان كقواعد عسكرية فعلية لتمركز طائرات التزود بالوقود الأمريكية. هذا الوجود العسكري المكثف جاء في إطار العمليات المستمرة منذ نهاية فبراير الماضي، مما قلص المساحات المتاحة للطائرات المدنية وأجبرها على تغيير جداولها.
وأقرت وزيرة النقل الإسرائيلية، ميري ريغيف، خلال مؤتمر في مدينة إيلات، بأن المطارات المدنية لم تعد تؤدي دورها المعتاد بالكامل. وأوضحت ريغيف أن تمركز الطائرات الأمريكية يأتي نتيجة عدم انتهاء المهمة العسكرية تجاه إيران، مشيرة إلى تقديم مقترحات لنقل هذه الطائرات إلى قواعد عسكرية متخصصة لتخفيف الضغط عن المطارات المدنية.
وحذرت ريغيف من أن الشركات الإسرائيلية تتكبد خسائر فادحة نتيجة اضطرارها لإيقاف جزء من أسطولها في الخارج لعدم توفر مساحات ركن آمنة. وأكدت أن الحكومة ستكون مضطرة لتعويض هذه الشركات مالياً لضمان بقائها واستمرار قدرتها على العمل في ظل هذه الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.
من جانبها، كشفت شركة 'إل عال' الإسرائيلية عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الاقتصادية، حيث ألغت الشركة نحو 1500 رحلة جوية خلال شهر أبريل وحده. وأفاد مسؤولون في الشركة بأن الخسائر اليومية تقدر بنحو 4 ملايين دولار، ليصل إجمالي الخسائر منذ بدء المواجهة إلى قرابة 120 مليون دولار.
ولم تكن شركة 'يسرائير' بمنأى عن هذه الأزمة، حيث صرح مديرها العام بأن القيود المفروضة في مطار بن غوريون بسبب التهديدات الصاروخية واستخدام المواقف لصالح الطائرات الأمريكية شكلت صدمة للشركة. وتقدر 'يسرائير' خسائرها اليومية بنحو ربع مليون دولار، وهو ما يهدد استقرارها المالي على المدى المتوسط.
وفي السياق ذاته، انضمت شركة 'أركيع' إلى قائمة المتضررين، مؤكدة أن رياح الحرب شلت النشاط السياحي والتجاري تماماً. وقالت إدارة الشركة إنها تخسر حوالي 200 ألف دولار يومياً، معتبرة أنه من غير المعقول أن تتحمل الشركات الخاصة وحدها التبعات المالية لقرارات عسكرية وسياسية كبرى.
ميري ريغيف: مطارا بن غوريون ورامون تحولا إلى قواعد عسكرية فعلياً بسبب تمركز طائرات التزود بالوقود الأمريكية لأننا لم ننهِ المهمة مع إيران.
وعلى صعيد حركة الطيران الدولية، سجلت التقارير انخفاضاً حاداً في عدد الشركات الأجنبية التي تسير رحلاتها إلى إسرائيل. فبعد أن كانت أكثر من 100 شركة دولية تعمل في السوق الإسرائيلي قبل أكتوبر الماضي، تراجع هذا العدد ليصل إلى 21 شركة فقط في الوقت الراهن، وسط مخاوف أمنية متزايدة.
وساهم قرار وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي بتمديد تحذيراتها بشأن الرحلات الجوية إلى المنطقة في تعميق العزلة الجوية الإسرائيلية. هذا التمديد، الذي يستمر حتى نهاية مايو الجاري، دفع العديد من الشركات العالمية لإعادة النظر في خطط عودتها إلى مطار بن غوريون، مفضلة الانتظار حتى استقرار الأوضاع.
وأظهرت بيانات إحصائية أن إجمالي عدد الركاب في مطار بن غوريون انخفض بنسبة 74% خلال شهر أبريل مقارنة بذات الشهر من العام الماضي. واعتمدت حركة السفر المتبقية بنسبة 89% على الشركات الإسرائيلية المحلية، مما يعكس عزوفاً شبه كامل من قبل الناقلات العالمية عن الهبوط في المطارات الإسرائيلية.
ولم يقتصر الضرر على الرحلات الدولية، بل امتد ليشمل السفر الداخلي، خاصة في مطار رامون الذي يستضيف بدوره طائرات عسكرية أمريكية. وسجل المطار مرور أقل من 24 ألف مسافر في أبريل، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 60% مقارنة بالعام السابق، مما يشير إلى شلل شبه تام في السياحة الداخلية.
وأعلنت مجموعات طيران كبرى مثل 'لوفتهانزا' الألمانية تمديد تعليق رحلاتها حتى شهر يونيو المقبل، مع إبقاء الباب مفتوحاً لمزيد من التأجيل. كما انضمت شركة 'ويز إير' المجرية وشركات هندية إلى قائمة المقاطعين مؤقتاً، مما يضع تحديات لوجستية هائلة أمام حركة نقل الأفراد والبضائع من وإلى إسرائيل.
وتشير مصادر اقتصادية إلى أن الشركات التي كانت تنوي استئناف عملياتها نهاية الشهر الجاري بدأت بالفعل في إلغاء حجوزاتها مجدداً. ويأتي هذا التراجع نتيجة استمرار حالة الترقب لما ستؤول إليه الأوضاع الميدانية، خاصة في ظل هشاشة اتفاقات وقف إطلاق النار التي تمت بوساطات إقليمية.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تنتظر الأوساط الإسرائيلية قرارات الإدارة الأمريكية بشأن استمرار الضربات الجوية أو إنهاء العمليات العسكرية. ويبقى قطاع الطيران رهينة للتنسيق الأمني بين واشنطن وتل أبيب، حيث يمثل بقاء طائرات التزود بالوقود الأمريكية في المطارات المدنية العائق الأكبر أمام أي محاولة للتعافي الاقتصادي.





Share your opinion
عسكرة المطارات الإسرائيلية: طائرات واشنطن تعمق أزمة الطيران المدني وتكبد الشركات خسائر ملايين الدولارات