Wed 13 May 2026 1:45 pm - Jerusalem Time

ازدواجية المعايير الغربية: بين دمج الدين بالسياسة وتجريم المرجعية الإسلامية

تتجلى في المشهد السياسي الأمريكي المعاصر مفارقة لافتة يقودها الرئيس دونالد ترامب، حيث يتبنى خطاباً يرفض الفصل بين الدين والدولة داخل الولايات المتحدة. وقد تجسد هذا التوجه في دعوات اللجنة الاستشارية للحريات الدينية لإنشاء منصات فيدرالية تروج لهذا الدمج، مما يعكس تحولاً في العلمانية الأمريكية التقليدية.

في المقابل، تظهر ازدواجية المعايير بوضوح عند التعامل مع العالم الإسلامي، حيث تُصنف القوى التي تنادي بالمرجعية الإسلامية في الحكم ضمن قوائم الإرهاب. وقد شملت استراتيجية البيت الأبيض لمكافحة الإرهاب جماعات إسلامية لمجرد دعوتها لإعادة الخلافة، رغم التزام بعضها بالعمل السلمي والمدني.

إن هذا الانفصام في التعامل مع المرجعيات الدينية يثير تساؤلات حول الأسس الأخلاقية للسياسة الخارجية الأمريكية. فبينما يُسمح للخطاب الديني المسيحي بالتوغل في مفاصل الدولة الغربية، يُحارب أي طموح إسلامي لبناء نظام سياسي يستند إلى هويته الحضارية والدينية.

بالنظر إلى جوهر الإسلام، نجد أنه دين شامل لا يقتصر على العبادات الفردية بل يمتد ليشمل تنظيم شؤون المجتمع والدولة. وتؤكد النصوص القرآنية كمال الدين وشموليته للحياة والممات، مما يجعل السياسة جزءاً لا يتجزأ من المنظومة القيمية الإسلامية.

لقد وضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم اللبنات الأولى للدولة المدنية بمرجعية إسلامية فور وصوله إلى المدينة المنورة. وتضمن 'دستور المدينة' حقوقاً وواجبات واضحة للمسلمين واليهود والمشركين، مما أرسى قيم العدالة والمواطنة في وقت مبكر من تاريخ البشرية.

عقب وفاة النبي، أدرك الصحابة ضرورة الوحدة السياسية لمنع الفراغ القيادي، فسارعوا لاختيار خليفة للمسلمين. واستمر هذا النموذج السياسي لأكثر من ثلاثة عشر قرناً، حيث أقام المسلمون حضارة عالمية جمعت بين العلم والإيمان والتطور العمراني.

تقوم السياسة في المنظور الإسلامي على جناحين متكاملين هما الوحي والعقل، حيث يضبط الوحي الأخلاق ويمنع الظلم. أما العقل فيتولى رعاية المصالح الدنيوية والابتكار في أساليب الحكم بما لا يتعارض مع الثوابت القطعية للدين.

من الضروري التأكيد على أن الحكم في الإسلام ليس حكماً ثيوقراطياً يدعي التحدث باسم الإله كما حدث في بعض الحقب الأوروبية. بل هو حكم بشري مدني بمرجعية إسلامية، يخضع فيه الحاكم للمساءلة والنقد والمراقبة من قبل الأمة وأجهزتها الرقابية.

على النقيض من ذلك، تأسست المسيحية -وفق الأناجيل المتاحة- على مبدأ الفصل الحاد بين ما لله وما لقيصر. وقد كان هذا المبدأ انعكاساً لطبيعة النشأة الروحية والرهبانية التي ميزت بدايات الديانة المسيحية قبل تحولها السياسي اللاحق.

شهدت العصور الوسطى في أوروبا تمدداً واسعاً لنفوذ الكنيسة وسيطرتها على الملوك والقرار السياسي، مما أدى لصدامات كبرى. وقد تبنت الكنيسة في تلك الفترة الحروب الصليبية وضيقت الخناق على العلوم والمعارف، مما أدخل القارة في أزمات عميقة.

كانت ردة الفعل الأوروبية على تسلط الكنيسة قاسية جداً، وتوجت بالثورة الفرنسية عام 1789 التي نادت بإنهاء نفوذ رجال الدين. ومنذ ذلك الحين، انتقلت أوروبا نحو علمانية شاملة تفصل الدين عن الشأن العام بشكل شبه كامل كحل للصراعات التاريخية.

أما الإسلام فقد كان محفزاً للعلم منذ اللحظة الأولى لنزول الوحي بكلمة 'اقرأ'، حيث حث على البحث في كتاب الله المسطور والكون المنظور. وقد نقل الإسلام العرب من التشتت والجهل إلى الوحدة والحضارة، مقدماً نموذجاً للدولة العادلة التي تستوعب الجميع.

إن محاولات تجريم العمل السياسي الإسلامي السلمي تحت ذريعة مكافحة الإرهاب تتجاهل الحقائق التاريخية والواقعية. فالحركات التي رفعت شعار السلمية واجهت القمع دون أن تنجر للعنف، ومع ذلك بقيت مستهدفة في الاستراتيجيات الدولية.

يبقى الموقف الأمريكي الحالي مثيراً للاستغراب، حيث يُشرعن الدين كأداة سياسية محلياً ويُحظر عالمياً على المسلمين. إن هذا التناقض يعكس رغبة في الهيمنة الثقافية والسياسية أكثر من كونه دفاعاً عن مبادئ العلمانية أو الحريات الدينية.

Tags

Share your opinion

ازدواجية المعايير الغربية: بين دمج الدين بالسياسة وتجريم المرجعية الإسلامية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.