Wed 13 May 2026 1:44 pm - Jerusalem Time

تحولات الخليج: السعودية تعيد رسم سياساتها الإقليمية في ظل المواجهة الإيرانية الإسرائيلية

كشفت المواجهة العسكرية المباشرة التي اندلعت بين إسرائيل وإيران منذ فبراير 2026 عن هشاشة الخيارات السياسية التي تبنتها بعض الأطراف الخليجية لسنوات طويلة. وقد شكلت هذه المواجهة منعطفاً استراتيجياً عميقاً أعاد خلط الأوراق في المنطقة، وفرض على القوى الإقليمية مراجعة شاملة لحساباتها الأمنية والسياسية.

برز خلال هذه الأزمة تباين واضح في الرؤى بين الرياض وأبو ظبي، حيث انتهجت السعودية سياسة اتسمت بالحذر والروية في التعامل مع التطورات المتسارعة. وفي المقابل، وجدت الإمارات نفسها في مواجهة مباشرة مع تداعيات ما يوصف بفشل مشروع 'السلام الإبراهيمي' الذي راهنت عليه لتعزيز نفوذها.

شكل الموقف السعودي الرافض للانجرار خلف حماسة التطبيع العقبة الأبرز أمام تمدد المشاريع الإسرائيلية في المنطقة. وقد جاءت الفتوى الأخيرة الصادرة عن كبار علماء المملكة بتحريم التطبيع لتضع حداً نهائياً للجدل السياسي، مؤكدة أن أي تقارب مع إسرائيل دون حل عادل للقضية الفلسطينية يمثل تهديداً للأمن القومي.

أثبتت التطورات الميدانية صحة القراءة السعودية، حيث أظهرت إسرائيل عدم اكتراثها بمصالح حلفائها الجدد عند رسم معايير أمنها الخاص. هذا التجاهل وضع الدول الموقعة على اتفاقيات التطبيع في مأزق استراتيجي، خاصة مع تصاعد وتيرة التهديدات العسكرية في مياه الخليج العربي.

في ظل هذا الانسداد، اتجهت أبو ظبي نحو تبني استراتيجيات بديلة تهدف إلى اختراق المشهد الإسلامي من زاوية جديدة عبر تعزيز 'التصوف'. تسعى الإمارات من خلال هذا التوجه لتقديم نموذج إسلامي يتجاوز الثنائية التقليدية بين السنة والشيعة، في محاولة لتعريف دورها كقطب ديني مستقل.

يرى مراقبون أن هذا الرهان الإماراتي ينطوي على مخاطر جسيمة قد تمس البنى الدينية والاجتماعية الراسخة في العالم الإسلامي. كما يفتح الباب أمام صراعات جديدة على الزعامة الدينية، قد تفوق في تأثيراتها النزاعات السياسية التقليدية التي شهدتها المنطقة طوال العقود الماضية.

تأتي السياسات الإماراتية الراهنة في تناقض ملحوظ مع النهج الذي أرساه المؤسس الشيخ زايد آل نهيان، والذي قام على ضرورة الحفاظ على الإجماع الخليجي. فاليوم، تبدو أبو ظبي وكأنها تبتعد عن العمل الجماعي العربي لصالح سياسة 'الذئب الوحيد' التي تتجاوز أطر التنسيق التقليدية.

زاد قرار الإمارات بالانسحاب من منظمة 'أوبك' وتحالف 'أوبك+' من حالة الإرباك في المشهد الإقليمي والدولي. وجاء هذا القرار في توقيت حساس للغاية، حيث تهدد الحرب الملاحة في مضيق هرمز وتتسبب في اضطرابات واسعة بأسواق الطاقة العالمية، مما أضعف وحدة الموقف الخليجي.

يعتقد محللون أن المستفيد الأول من هذه القرارات الأحادية هي الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان تسعيان لكسر النمطية التقليدية لمنظومة الطاقة الخليجية. ويسبب هذا التماهي مع السياسات الغربية حرجاً كبيراً لبقية دول مجلس التعاون التي تحاول الحفاظ على توازنات دقيقة.

وسط هذه التحولات، بدأت تبرز تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقة بين السعودية وتيارات الإسلام السياسي المعتدلة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين. إذ أن الفراغ الإقليمي الذي خلفته التحولات الإماراتية قد يدفع الرياض لإعادة النظر في خريطة تحالفاتها المحلية والإقليمية.

رغم وجود خلافات أيديولوجية عميقة، إلا أن ضرورات المرحلة تفرض حسابات براغماتية جديدة تستند إلى قاعدة المصالح الدائمة. فالحرب الدائرة بين الأقطاب الدولية والإقليمية تدفع دول المنطقة نحو مسارات تحالفية غير تقليدية لمواجهة التحديات الوجودية التي تفرضها الحرب.

قد يكون التقارب مع قوى سياسية كانت مصنفة كخصوم في السابق جزءاً من استراتيجية سعودية أوسع لتنويع الخيارات. فالرياض تدرك أن الاعتماد على حلفاء دوليين لا يضمن بالضرورة حماية المصالح الوطنية في لحظات الصدام الكبرى، مما يستدعي بناء جبهة داخلية وإقليمية أكثر تماسكاً.

يمر الخليج العربي اليوم بظروف استثنائية تتسارع فيها الأحداث وتتشابك فيها الملفات الأمنية بالاقتصادية. وتثبت الوقائع الميدانية يوماً بعد يوم أن الحسابات الدولية لا تتطابق دائماً مع تطلعات العواصم الخليجية، مما يفرض ضرورة الاعتماد على الذات في إدارة الأزمات.

في الختام، يبدو أن المشهد الإقليمي لا يزال قيد التشكل، حيث تتجه السعودية نحو إدارة أكثر توازناً وهدوءاً للمشهد المعقد. بينما تظل الأشهر المقبلة كفيلة بكشف ما إذا كانت هذه التحولات ستؤدي إلى استقرار جديد أم إلى مزيد من الانقسام في المنظومة الخليجية.

Tags

Share your opinion

تحولات الخليج: السعودية تعيد رسم سياساتها الإقليمية في ظل المواجهة الإيرانية الإسرائيلية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.