لا يمكن النظر إلى المؤتمر القادم لحركة “فتح” باعتباره مجرد محطة تنظيمية داخلية محكومة بحسابات الأسماء أو التوازنات التقليدية، بل هو لحظة سياسية مفصلية ستحدد ملامح المرحلة الفلسطينية المقبلة، ليس فقط على مستوى الحركة، وإنما على مستوى المشروع الوطني الفلسطيني برمّته. فمخرجات هذا المؤتمر ستكون موضع قراءة دقيقة من الشارع الفلسطيني، كما ستكون محل رصد إقليمي ودولي، باعتبار أن “فتح” ما زالت تشكل العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية.
في هذا السياق، يصبح المؤتمر اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحركة على تجديد ذاتها، واستعادة ثقة قواعدها، وتجديد شرعيتها النضالية والتنظيمية في لحظة وطنية بالغة الحساسية.
أولاً: مروان البرغوثي… الرمز والنهج
تبرز قضية انتخاب القادة التاريخيين الذين شكّلوا رموزًا للثبات الوطني، وفي مقدمتهم الأسير القائد مروان البرغوثي. فحضوره في أي استحقاق فتحاوي لا يمكن اختزاله في إطار منافسة شخصية، لأنه بات يمثل حالة سياسية ووطنية تتجاوز حدود الفرد إلى فضاء الرمز الجامع.
إن التصويت له ليس مجرد تأييد لاسم، بل تعبير واضح عن التمسك بخيار وطني مقاوم، وإيمان بقيادة دفعت ثمن مواقفها من حريتها ولم تساوم على الثوابت. كما أن انتخابه بأغلبية واسعة يحمل رسالة سياسية عميقة للاحتلال وللأطراف الدولية، مفادها أن الشرعية الوطنية الحقيقية تنبع من إرادة الشعب وقواه الحية، لا من ترتيبات فوقية أو حسابات ظرفية.
ثانيًا: الأسرى المحررو
البوصلة الأخلاقية
في السياق ذاته، يبرز حضور الأسرى المحررين المرشحين لانتخابات المجلس الثوري واللجنة المركزية كأحد أهم مرتكزات استعادة هيبة الحركة وتجديد مشروعها.
إن انتخاب هؤلاء المناضلين، الذين خبروا التضحية في أقبية التحقيق وعتمة الزنازين، يمثل بوصلة أخلاقية ووطنية لا تخطئ. فوجودهم في مواقع صنع القرار يشكل ضمانة حقيقية لبقاء قضية الأسرى والتحرر الوطني في قلب البرنامج السياسي للحركة، كما يمثل تكريسًا لشرعية الميدان التي تمنح “فتح” حصانتها المعنوية وثقة قواعدها الشعبية.
ثالثًا: جدلية المحاسبة والإنصاف
يتحمل أعضاء المؤتمر مسؤولية تاريخية تستوجب ممارسة دورهم بوعي وطني عميق، عبر محاسبة كل من كان له دور فعلي في تراجع مكانة الحركة وإضعاف حضورها الوطني.
وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي التمسك بالقادة الذين شكّلوا صمام أمان للحركة؛ أولئك الذين حاربوا الفساد ودفعوا ثمن مواقفهم، أو الذين قدّموا أبناءهم شهداء على طريق التحرير.
ورغم أي اختلاف في الرؤى أو التقديرات السياسية، فإن الوطنية والإخلاص للحركة والقضية يجب أن يبقيا المعيار الحاكم، لأن استبعاد هذه الكفاءات الوطنية لا يمثل خسارة تنظيمية فحسب، بل إضعافًا للحالة الوطنية الفلسطينية برمتها.
رابعًا: إنصاف قطاع غزة واستعادة التمثيل الحقيقي
يشكل المؤتمر أيضًا فرصة تاريخية لإنصاف أبناء الحركة في قطاع غزة، عبر ضمان تمثيل حقيقي وفاعل للقيادات المتواجدة داخل القطاع، ممن يعيشون معاناة شعبهم اليومية ويخوضون تفاصيل المواجهة الوطنية تحت وطأة العدوان والحصار.
إن تمثيل غزة لا ينبغي أن يكون تمثيلًا شكليًا أو رمزيًا، بل يجب أن يعكس حضورًا سياسيًا وتنظيميًا حقيقيًا. كما أن من يفوز بثقة أبناء القطاع يفترض أن يكون حاضرًا بينهم، قريبًا من نبضهم ومعاناتهم، لأن شرعية التمثيل لا تكتمل إلا بالالتصاق بالميدان وتحمل مسؤولياته المباشرة.
خامسًا: معايير القيادة واستحقاق الإصلاح
المؤتمر لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد استفتاء على الأشخاص، بل يجب أن يكون مناسبة لإعادة صياغة معايير القيادة داخل الحركة.
فالمرحلة الراهنة تفرض اختيار قيادات تتمتع بالنزاهة والكفاءة والقدرة على الاشتباك مع التحديات الوطنية الكبرى، بعيدًا عن شبكات المصالح ومراكز النفوذ التقليدية.
المطلوب اليوم قيادة تحمل مشروعًا واضحًا للإصلاح الداخلي، وتعيد الاعتبار لقضايا الشهداء والأسرى والجرحى، وتستعيد ثقة القواعد التنظيمية التي أنهكها الجمود والإحباط.
أخيرًا: لحظة الاختيار
إن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة المؤتمر على إنتاج رؤية سياسية وتنظيمية تعيد لـ”فتح” دورها التاريخي كرافعة للمشروع الوطني الفلسطيني.
فالتحديات الراهنة، من العدوان المستمر على غزة إلى محاولات تصفية القضية الوطنية، تتطلب حركة موحدة، متماسكة، وقادرة على استعادة زمام المبادرة.
إن المؤتمر يمثل لحظة اختيار بين مسارين واضحين:
إما مسار استعادة الدور الطليعي وتجديد الشرعية الوطنية،
وإما مسار استمرار الأزمة وإعادة إنتاج الجمود.
وفي هذه اللحظة، لا يكون التصويت مجرد اختيار لأسماء، بل قرارًا يتعلق بمستقبل الحركة، وبمستقبل القضية الفلسطينية ذاتها.





Share your opinion
مؤتمر حركة فتح: اختبار الشرعية الوطنية وتجديد المشروع