أصدرت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية في تونس أحكاماً مشددة بالسجن بحق وزير العدل السابق والقيادي في حركة النهضة، نور الدين البحيري. وجاء القرار على خلفية ما يعرف إعلامياً بقضية 'تسهيل منح جوازات سفر وجنسيات لأشخاص أجانب' خلال فترة توليه المنصب الوزاري عام 2012.
وشملت الأحكام القضائية سجن البحيري والمسؤول الأمني السابق فتحي البلدي لمدة 20 عاماً مع النفاذ العاجل، مما يعني البدء في تنفيذ العقوبة فوراً رغم إمكانية الاستئناف. وتتعلق الشبهات بافتعال وثائق جنسية وتسليمها لأفراد مطلوبين دولياً في قضايا تتعلق بالإرهاب، وهو ما تنفيه هيئة الدفاع جملة وتفصيلاً.
وفي ذات السياق، قضت المحكمة غيابياً بالسجن لمدة 30 عاماً بحق معاذ الخريجي، نجل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، إلى جانب ثلاثة متهمين آخرين لا يزالون في حالة فرار. كما تضمنت الأحكام سجن متهمين إضافيين لمدة 11 عاماً، مع إخضاع كافة المدانين للمراقبة الإدارية لمدة خمس سنوات بعد انقضاء العقوبة.
وأفادت مصادر قضائية بأن المحكمة قررت شطب اسم رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي من قائمة المتهمين في هذا الملف، لعدم كفاية الأدلة ضده. وتعد هذه القضية واحدة من سلسلة ملاحقات قضائية طالت كبار المسؤولين في الحقبة التي تلت أحداث عام 2011 في تونس.
وتشير لائحة الاتهام إلى أن الوثائق الممنوحة مكنت مواطناً سورياً وزوجته من الحصول على الهوية التونسية بطريقة غير قانونية، رغم وجود ملاحقات إرهابية دولية بحقهما. وتؤكد السلطات أن عملية منح الجنسية تمت عبر 'افتعال' وثائق رسمية استناداً إلى جوازات سفر قديمة تعود لفترة الثمانينات.
من جانبها، تتمسك هيئة الدفاع عن البحيري بأن الملف سياسي بحت ويهدف إلى تصفية حسابات مع المعارضة، مؤكدة أن الجوازات المذكورة صدرت في الأصل بين عامي 1982 و1984. ويرى المحامون أن إقحام اسم البحيري في هذه القضية يفتقر إلى السند القانوني الواضح، خاصة في ظل غياب أدلة ملموسة على تورطه الشخصي.
تعتبر هيئة الدفاع أن الملف سياسي بامتياز ويفتقر إلى أي أساس قانوني متين، مشيرة إلى أن الوثائق تعود لعهود سابقة.
ويقضي نور الدين البحيري حالياً عقوبة سابقة بالسجن لمدة 43 عاماً، كانت قد صدرت بحقه في أبريل من العام الماضي في قضية منفصلة تتعلق بـ'التآمر على أمن الدولة'. وتأتي هذه الأحكام الجديدة لتزيد من تعقيد المشهد القانوني والسياسي للقيادي البارز في حركة النهضة المعارضة.
وتشهد تونس منذ فبراير 2023 حملة توقيفات واسعة شملت سياسيين بارزين ومحامين ونشطاء في المجتمع المدني، وجهت إليهم تهم تتراوح بين التحريض على الفوضى والتخابر مع جهات أجنبية. ومن أبرز هؤلاء راشد الغنوشي وعصام الشابي وأحمد نجيب الشابي، الذين يواجهون محاكمات في قضايا مختلفة.
وتؤكد السلطات التونسية مراراً أن القضاء يعمل باستقلالية تامة وأن جميع الإجراءات المتخذة تستند إلى نصوص القانون دون أي تدخل من السلطة التنفيذية. وتشدد الحكومة على أن المحاسبة ضرورية لفرض سيادة القانون وحماية الأمن القومي من أي اختراقات أو تجاوزات إدارية خطيرة.
في المقابل، تصف قوى المعارضة وجبهة الخلاص الوطني هذه المحاكمات بأنها 'قمعية' وتستهدف تقويض العمل السياسي التعددي في البلاد. وتعتبر هذه القوى أن استخدام القضاء في النزاعات السياسية يهدد الحريات العامة التي اكتسبها التونسيون خلال العقد الماضي.
ويبقى ملف 'الجنسيات المفتعلة' مفتوحاً على احتمالات الطعن في درجات التقاضي الأعلى، حيث من المتوقع أن تتقدم هيئة الدفاع بطلبات استئناف لنقض الأحكام الصادرة. وتترقب الأوساط السياسية ما ستسفر عنه الجلسات القادمة في ظل استمرار التوتر بين السلطة والمعارضة.





Share your opinion
تونس: السجن 20 عاماً لوزير العدل السابق نور الدين البحيري في قضية 'الجنسيات المفتعلة'