فقدت الساحة الفنية العربية، اليوم الأحد، واحداً من أبرز أعمدتها برحيل الفنان المصري القدير هاني شاكر، الذي وافته المنية في العاصمة الفرنسية باريس عن عمر ناهز 74 عاماً. وجاءت الوفاة بعد رحلة علاجية طويلة بدأت في شهر مارس الماضي، إثر تدهور حالته الصحية التي استدعت نقله إلى الخارج لمتابعة فحوصات دقيقة وجراحات طبية متخصصة.
ونعت وزارة الثقافة المصرية، في بيان رسمي أصدرته الوزيرة الدكتورة جيهان زكي، الفقيد واصفة إياه بأنه كان صوتاً أثرى الوجدان العربي لعقود طويلة. وأكدت الوزارة أن شاكر نجح في صياغة إرث فني وإنساني فريد، سيظل ملهماً للأجيال القادمة من الفنانين والمبدعين، مشيرة إلى أن غيابه يمثل خسارة جسيمة للتراث الغنائي المصري.
من جانبها، أعربت نقابة المهن الموسيقية عن حزنها العميق لفقدان نقيبها السابق، مؤكدة أن الراحل كان نموذجاً يحتذى به في الأخلاق والفن الرفيع. وقد سادت حالة من الصدمة في الأوساط الفنية فور إعلان الخبر، حيث توالت برقيات التعزية من مختلف الدول العربية تثميناً لمسيرته التي اتسمت بالرقي والالتزام الفني.
وأكد شريف شاكر، نجل الفنان الراحل، خبر الوفاة عبر منصات التواصل الاجتماعي بكلمات مؤثرة، وصف فيها والده بأنه كان السند والظهر والصديق المقرب. وأضاف نجل الفقيد أن الوطن العربي فقد اليوم 'أمير الغناء'، داعياً له بالرحمة والمغفرة وأن يسكنه الله فسيح جناته، وسط تفاعل واسع من الجمهور والمحبين.
وفي سياق الإجراءات الرسمية، بدأت القنصلية المصرية في فرنسا بالتنسيق مع السلطات المعنية لإنهاء تصاريح نقل الجثمان إلى القاهرة. وأفادت مصادر مطلعة بأنه من المتوقع وصول الجثمان خلال الساعات الـ48 القادمة، حيث ستُقام مراسم الجنازة والدفن في مقابر العائلة، على أن يتم تحديد موعد العزاء الرسمي لاحقاً.
وُلد هاني عبد العزيز شاكر في ديسمبر عام 1952، وظهرت موهبته الفنية في سن مبكرة جداً من خلال برامج الأطفال في التلفزيون المصري. صقل موهبته بالدراسة الأكاديمية في المعهد العالي للموسيقى 'الكونسرفتوار'، مما مهد الطريق أمامه ليصبح واحداً من أهم مطربي جيله في وقت قصير.
كانت الانطلاقة الحقيقية للراحل حينما تبناه الموسيقار الكبير محمد الموجي، وقدمه للجمهور في حفل ضخم شاركت فيه الفنانة فايزة أحمد. غنى شاكر في ذلك الحفل 'حلوة يا دنيا'، وهي الأغنية التي فتحت له أبواب الشهرة على مصراعيها، وجعلت النقاد يتنبأون له بمستقبل باهر في عالم الغناء.
رحلت جسداً لكن روحك وذكراك العطرة ستظل ترفرف حولي وحول كل من عرفك عن قرب.
خلال مشواره الذي امتد لأكثر من خمسة عقود، أصدر هاني شاكر عشرات الألبومات الغنائية التي حققت مبيعات قياسية في الوطن العربي. ومن أبرز تلك الأعمال 'علي الضحكاية' و'حكاية كل عاشق' و'يا ريتني'، وهي أغنيات شكلت ذاكرة جيل كامل وما زالت تحظى بمتابعة واسعة حتى اليوم.
ولم يقتصر إبداع الراحل على الغناء فقط، بل خاض تجارب سينمائية ناجحة في السبعينيات، من بينها فيلم 'عايشين للحب' مع الفنانة نيللي. كما قدم أفلاماً أخرى مثل 'هذا أحبه وهذا أريده' و'المصباح السحري'، محاولاً من خلالها دمج موهبته التمثيلية بصوته الرخيم الذي أحبه الملايين.
وعلى الصعيد النقابي، تولى هاني شاكر منصب نقيب المهن الموسيقية في مصر عام 2015، وحقق نجاحاً في الانتخابات لدورة ثانية بفضل شعبيته الجارفة. واستمر في منصبه حتى استقالته في يوليو 2022، بعد فترة شهدت الكثير من التحديات والقرارات التي استهدفت الحفاظ على هوية الفن المصري.
نعى الفقيد كوكبة من نجوم الغناء العربي، من بينهم وائل جسار وصابر الرباعي ونوال الزغبي وأنغام، الذين عبروا عن حزنهم الشديد لرحيل القامة الكبيرة. ووصفه زملاؤه بأنه كان 'الوريث الشرعي لزمن العمالقة'، نظراً لتمسكه بالكلمة الطيبة واللحن الأصيل طوال مسيرته الطويلة.
الفنانة نادية مصطفى، عضو مجلس نقابة الموسيقيين، نعت صديق عمرها بكلمات غلب عليها الأسى، مؤكدة أن مصر فقدت صوتاً لن يعوض وإنساناً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وأشارت إلى أن ذكراه ستظل حية في قلوب كل من عرفه عن قرب أو استمتع بفنه الراقي الذي لم يخدش الحياء يوماً.
تميزت حفلات هاني شاكر في المهرجانات الدولية بالرقي والحضور الجماهيري الضخم، حيث كان سفيراً للفن المصري في مختلف المحافل العالمية. وقد حرص طوال حياته على تقديم فن يحترم عقل ومشاعر المستمع، مما جعله يستحق لقب 'أمير القلوب' بجدارة واستحقاق.
بوفاة هاني شاكر، تنطوي صفحة مضيئة من تاريخ الغناء العربي الكلاسيكي الذي صمد في وجه التغيرات الموسيقية المتسارعة. وسيبقى صوته يتردد في الآفاق كشاهد على عصر ذهبي من الإبداع، تاركاً خلفه عائلة ومحبين في كل بيت عربي يدعون له بالرحمة والسكينة.





Share your opinion
رحيل 'أمير الغناء العربي'.. وفاة الفنان هاني شاكر في فرنسا عن 74 عاماً