يرى الدكتور فيصل القاسم أن التخوين في المجتمعات العربية لم يعد مجرد تهمة ثقيلة تُلقى في ظروف استثنائية، بل استحال إلى ممارسة يومية وأداة رخيصة تستخدمها فئات تعاني من أزمات أخلاقية حادة. هذه الفئة امتهنت القذف والافتراء كمنهج حياة، مستغلة حالة الفوضى والآلام التي يعيشها الناس لبناء حضور زائف قائم على تشويه الآخرين.
ويشير المقال إلى أن مجرد الاختلاف في الرأي أو رفض السير وراء 'القطيع' أو الاصطفاف خلف شخصيات مشبوهة، يعرض الفرد فوراً لسيل من الاتهامات القاسية التي تنال من شرفه وكرامته. هذه الممارسات لا تعبر عن مواقف سياسية حقيقية بقدر ما تعكس ثقافة انحطاط تُدار بعقلية غوغائية وتتستر خلف شعارات أخلاقية زائفة.
إن هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم قضاة وجلادين يوزعون صكوك الوطنية والشرف، لا يملكون في الغالب تاريخاً نظيفاً يؤهلهم للحكم على الآخرين. هم يرفعون شعارات براقة للاستهلاك الإعلامي فقط، بينما يختبئون خلفها لممارسة النفاق والبلطجة ضد كل من يرفض التسبيح بحمدهم أو كشف زيف ادعاءاتهم.
ويؤكد الكاتب أن من يحذر الناس من السير في الطرق الخاطئة ليس خائناً بل هو ناصح أمين يبتغي المصلحة العامة، ولو كانت تلك الشعارات نابعة من حرص حقيقي لكان أولى بهؤلاء محاسبة أنفسهم أولاً. لكن الواقع يكشف أن أوجاع الناس ومحنهم تحولت إلى وقود لحروب شخصية ومنافع مادية مفضوحة بعيدة كل البعد عن الإنسانية.
وعند فحص سِيَر هؤلاء المزايدين، تتكشف فضائح كبرى تتعلق بتورطهم في عمليات نفاق واحتيال وسرقة موصوفة، مما يجعلهم تجار أزمات لا أصحاب قضايا وطنية. هؤلاء هم باعة أوهام ومحترفو خطاب غوغائي، استغلوا منابرهم لجمع التبرعات باسم المنكوبين دون أن يصل منها شيء للمحتاجين فعلياً.
المفارقة المؤلمة تكمن في أن الأموال التي جُمعت باسم الجوعى انتهت في حسابات شخصية واستثمارات عقارية فاخرة وعملات رقمية في عواصم غربية. ومع ذلك، يظهر هؤلاء أنفسهم عبر منصات التواصل الاجتماعي لتقديم دروس في الأخلاق والقيم، متحدثين عن الأمانة وهم أول من خانها بدم بارد.
الخيانة الحقيقية ليست في الرأي أو الموقف، بل في سرقة أموال الفقراء والمتاجرة بدموع الثكالى واستغلال الجوع لتحقيق مكاسب شخصية.
يفسر المقال هذا السلوك من منظور علم النفس الاجتماعي، حيث يحتاج صاحب السجل الأسود دائماً إلى تشويه غيره ليتوارى سواده خلف اتهامات الآخرين. إنها عملية إسقاط نفسي ممنهجة، حيث يتهم السارق غيره بالخيانة، ويصف المتاجر بالآلام غيره بانعدام الإنسانية، وهي استراتيجية فعالة في المجتمعات المنهكة.
إن خطورة ثقافة التخوين تتجاوز تدمير الأفراد إلى تدمير النسيج المجتمعي بالكامل، فهي تقتل لغة الحوار العقلاني وتسحق مساحات الاختلاف الضرورية للتطور. وحين يصبح كل ناقد أو مخالف 'خائناً' في نظر الغوغاء، يفقد مفهوم الخيانة قيمته الحقيقية وتتحول الأخلاق إلى مجرد أداة للابتزاز الرخيص.
ويشدد القاسم على أن الخيانة الحقيقية تتمثل في بناء الأمجاد الشخصية على أنقاض خراب الآخرين، وفي استغلال الخوف والجوع لتحقيق ثروات غير مشروعة. هذه هي النذالة التي يجب فضحها، بدلاً من الانشغال بتوزيع تهم العمالة على كل من استخدم عقله لرفض واقع اللصوصية والبلطجة.
لقد آن الأوان لكسر هذه الحلقة المفرغة وفضح تجار الشعارات الذين حولوا التخوين إلى مهنة تدر عليهم الأرباح، والبدء بمساءلتهم عن مصير أموال الناس وأفعالهم الواقعية. المجتمعات لا يمكن أن تُبنى بالصراخ أو بالنبش في الأعراض، بل بالصدق والمحاسبة والشفافية والقدرة على مواجهة الحقائق الموجعة.
إن الذين لا يملكون سوى الأصوات العالية والاتهامات المعلبة يجدون في الفوضى بيئة خصبة للنمو، لكن مكانهم الطبيعي في نهاية المطاف هو مزبلة التاريخ. فالحقيقة تظل أقوى من الفبركات، والوعي الشعبي كفيل بالتمييز بين المناضل الحقيقي وبين من يتاجر بعذابات الناس لتحقيق مآرب شخصية دنيئة.
في الختام، يدعو المقال إلى ضرورة التفريق بين النقد البناء وبين حملات التشويه الممنهجة، مؤكداً أن كرامة الشعوب لا تُصان بالشعارات الجوفاء بل بالأفعال التي تخدم الإنسان وتحمي حقوقه. إن معركة الوعي اليوم تتطلب فضح هؤلاء المارقين الذين استمرأوا الكذب والتدليس باسم الوطنية والشرف.





Share your opinion
صناعة التخوين: حين يتحول القذف إلى مهنة لتجار الأزمات