Thu 30 Apr 2026 5:13 am - Jerusalem Time

لبنان بين خطاب التهدئة ووقائع السيادة المنقوصة

Said Erikat

Opinion Writer

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 30/4/2026


تحليل إخباري


في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" ، عرض وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رؤية إدارته للتطورات على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، مقدّمًا مقاربة تركز على احتواء التصعيد عبر تثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز دور الجيش اللبناني. غير أن هذه التصريحات، رغم نبرتها الداعية إلى الاستقرار، تعكس قراءة تختزل تعقيدات المشهد اللبناني في بعد أمني ضيق، وتعيد إنتاج سردية أميركية تقليدية تفصل بين الدولة اللبنانية و"حزب الله" مع منح إسرائيل هامشًا واسعًا للتحرك العسكري تحت عنوان الدفاع عن النفس.


تقدّم تصريحات روبيو حول لبنان وإسرائيل مقاربة تبدو في ظاهرها واقعية وبراغماتية، لكنها تخفي اختزالًا مقلقًا لطبيعة الصراع وتعقيداته. فتصوير الوضع على أنه مجرد إشكال أمني بين إسرائيل و"حزب الله"، مع نفي وجود نزاع مع الدولة اللبنانية، يتجاهل تاريخًا طويلًا من الانتهاكات والسياسات التي مست سيادة لبنان بشكل مباشر. كما أن توصيف وقف إطلاق النار بـ"الفريد" يعكس محاولة لإعادة تأطير الصراع خارج سياقاته السياسية والقانونية الأوسع، بما يخدم رؤية أميركية تركّز على إدارة التهديد لا معالجته جذريًا.


وركّز روبيو على أن المشكلة ليست بين لبنان وإسرائيل، بل بين إسرائيل و"حزب الله"، وهو طرح يتكرر في الخطاب الأميركي الرسمي. غير أن هذا الفصل النظري بين الدولة والحزب يصطدم بواقع لبناني معقّد، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والطائفية والأمنية. كما أن الإقرار بأن "اللبنانيين أنفسهم يرون في حزب الله مشكلة" يحمل تعميمًا يفتقر إلى الدقة، ويتجاهل الانقسام الداخلي العميق حول دور الحزب وسلاحه. هذا التبسيط يخدم سردية تُحمّل طرفًا واحدًا المسؤولية، وتُغفل السياق الإقليمي الذي ساهم في نشوء هذه المعادلة.


في المقابل، يمنح روبيو إسرائيل غطاءً واضحًا لمواصلة عملياتها العسكرية تحت عنوان "الدفاع عن النفس"، بما في ذلك الضربات الاستباقية. هذا التوصيف يثير تساؤلات حول حدود هذا الحق، خاصة في ظل غياب آلية دولية واضحة لتحديد ما يُعد تهديدًا وشيكًا. كما أن الحديث عن "ردود متناسبة ومحددة الهدف" لا يتطابق دائمًا مع الوقائع على الأرض، حيث غالبًا ما تتجاوز العمليات الإسرائيلية هذا الإطار، مسببة أضرارًا واسعة في البنية التحتية والمناطق المدنية.


أما الرهان الأميركي على تعزيز قدرات الجيش اللبناني ليحل محل "حزب الله"، فيبدو طموحًا لكنه يصطدم بعقبات بنيوية. فالمؤسسة العسكرية اللبنانية تعاني من نقص في الموارد والانقسام السياسي، ما يجعل فكرة تكليفها بمهمة نزع سلاح الحزب أقرب إلى التمنّي منها إلى الخطة القابلة للتنفيذ. إضافة إلى ذلك، فإن هذا الطرح يتجاهل أن سلاح "حزب الله" مرتبط بمعادلات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، ما يجعل معالجته شأنًا داخليًا صرفًا أمرًا غير واقعي.


ويعكس الخطاب الأميركي ميلًا متزايدًا لإعادة تعريف الصراعات في الشرق الأوسط ضمن أطر أمنية ضيقة، تُقصي الأبعاد السياسية والتاريخية. في حالة لبنان، يؤدي هذا النهج إلى تهميش قضايا أساسية مثل الاحتلال السابق، والانتهاكات المتكررة للسيادة، ودور المجتمع الدولي في ضبط التوازن. كما أن التركيز على «حزب الله» كتهديد منفصل عن السياق، يسمح بتبرير سياسات أحادية الجانب، ويضعف فرص الوصول إلى تسوية شاملة. هذا الاختزال لا يسهم في الاستقرار، بل يكرّس إدارة دائمة للأزمة بدل حلّها.


ويفتح منح إسرائيل حقًا شبه مطلق في تنفيذ ضربات استباقية الباب أمام تفسير فضفاض لمفهوم الدفاع عن النفس، وهو ما يتعارض مع مبادئ القانون الدولي. فغياب رقابة فعالة أو آلية مساءلة يجعل من هذا الحق أداة لتكريس التفوق العسكري دون ضوابط. كما أن تكرار الدعوة إلى "ضبط النفس" دون إجراءات ملزمة يعكس ازدواجية في المعايير، حيث تُطلب التهدئة لفظيًا، بينما تُمنح الأدوات التي تقوّضها عمليًا. هذا التناقض يضعف مصداقية الوساطة الأميركية في المنطقة.


الرهان على الجيش اللبناني كبديل أمني يواجه تحديات واقعية تتعلق بتركيبته وقدراته. فالمؤسسة العسكرية، رغم احترامها النسبي، تعمل ضمن بيئة سياسية منقسمة، وتعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي. وقد يعرض تحميلها مهمة تفكيك "حزب الله" دون توافق داخلي واسع للانقسام أو حتى الانهيار. كما أن هذا الطرح يتجاهل أن سلاح الحزب مرتبط بتوازنات إقليمية، ما يجعل معالجته تتطلب مقاربة شاملة تشمل إيران وسوريا، وليس فقط إجراءات داخلية لبنانية.


ويبقى الحديث عن إمكانية انضمام لبنان إلى اتفاقيات إقليمية مثل "اتفاقيات أبراهام" سابقًا لأوانه، في ظل غياب تسوية داخلية واستقرار سياسي. فلبنان يواجه أزمة اقتصادية خانقة، وانقسامًا سياسيًا حادًا، ما يجعل أي خطوة من هذا النوع محفوفة بالمخاطر. كما أن ربط هذا الاحتمال بضعف "حزب الله" يعكس رؤية تبسيطية تتجاهل تعقيدات الهوية السياسية اللبنانية. أي تحول استراتيجي بهذا الحجم يتطلب أولًا إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، قبل الانخراط في ترتيبات إقليمية كبرى.

Tags

Share your opinion

لبنان بين خطاب التهدئة ووقائع السيادة المنقوصة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.